اب بوست-متابعات
تواجه القرى الريفية في محافظة إب، وسط اليمن، تراجعاً حاداً ومقلقاً في أعداد المواشي؛ وهي ظاهرة تتجاوز مجرد فقدان رؤوس الأغنام والأبقار لتشكل تهديداً بيئياً واجتماعياً واقتصادياً للأسر التي تعتمد على تربية الأبقار والأغنام لتلبية احتياجاتها الأساسية.
قرية مروة بمديرية العدين، واحدة من بين القرى الأكثر انحساراً، ففي القرية التي تقطنها نحو 142 أسرة، تبدو ملامح التغيير واضحة ومؤلمة حسبما أكد “طاهر مثنى (57 عاماً)” أحد سكان القرية، في توصيفه لحجم الكارثة من خلال معايشته اليومية والمقارنة بين الماضي والحاضر.
وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، يوضح مثنى أن قرابة 70% من الأسر كانت تعتمد على امتلاك الأبقار أو الأغنام قبل عام 2010، إلا أن تلك النسبة انحدرت بحدة لتصل في الوقت الحالي إلى نحو 10% فقط؛ وهو تراجع يعكس حجم الفجوة التي خلفتها الظروف القاسية، وفقا لتقديراته الشخصية.
تشير بيانات رسمية صادرة عن إدارة الإحصاء والأرصاد الزراعي إلى تراجع الثروة الحيوانية في اليمن من نحو 21.2 مليون رأس عام 2014 إلى 19.3 مليون رأس عام 2018. وشمل هذا التراجع الأغنام والماعز والأبقار والإبل على حد سواء.
كما تواجه تربية المواشي في اليمن تحديات جسيمة تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها ندرة الأعلاف، وارتفاع تكاليفها، بالإضافة إلى موجات الجفاف المتكررة التي أدت إلى تدهور المراعي الطبيعية والضغوط الاقتصادية؛ مما أجبر الكثيرين على بيع الماشية لتغطية نفقات المعيشة الضرورية.
الجفاف وغلاء الأعلاف
أرجع السكان تراجع تربية المواشي إلى عوامل اقتصادية وبيئية متداخلة أثقلت كواهل المزارعين من بينهم “فؤاد أحمد( 48 عاماً)” الذي أوضح لـ “ريف اليمن” أن “هناك تراجعًا حادًا في إنتاج الأعلاف بسبب شح الأمطار، مما أجبرنا على شراء الأعلاف الواردة من تهامة بأسعار مرتفعة جدًا خلال فصل الشتاء”.
يضيف فؤاد أن البقرة الواحدة تحتاج يوميًا لخمس حزم من “العجور” بتكلفة تصل إلى 1500 ريال (حوالي ثلاثة دولارات)، إضافة للأعلاف المكملة، وهو مبلغ يقتطع 30% من دخل الأسرة، بينما لا يعادل العائد من البقرة هذه التكاليف الباهظة حاليًا.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الواقع الاقتصادي المرير لم يكن موجودًا في السابق، حيث كانت الأرض تجود بخيراتها دون حاجة المزارع للشراء. وحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الصادرة في يوليو 2025، فقد سجل اليمن جفافًا واسع النطاق في معظم المحافظات، باستثناء هطولات محدودة في مرتفعات إب.
وتؤكد دراسة حديثة أجراها الخبير في الشؤون البيئية والمناخية، عبد الغني اليوسفي، أن محافظة إب -التي لطالما عُرفت بخصوبتها ووفرة أمطارها- تشهد تراجعًا مقلقًا في معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة.
بالنظر لموقع قرية مروة التي تبعد 55 كيلومترًا غرب مدينة إب، فإنها ظلت خارج نطاق تلك الأمطار، مما فاقم أزمة الجفاف وأدى لاختفاء المراعي الطبيعية التي كانت تشكل المصدر المجاني والأساسي لغذاء الحيوانات في المنطقة.
من جانبه يؤكد أستاذ قسم الإنتاج الحيواني، في كلية الزراعة بجامعة إب الدكتور إسماعيل المصنف” أن تراجع أعداد الثروة الحيوانية في مديرية العدين بمحافظة إب يعود إلى عدة عوامل أبرزها الظروف الجوية القاسية، وتداعيات النزاع المستمر في البلاد، ناهيك عن شح الموارد المائية، وانتشار الأوبئة الحيوانية، في ظل غياب الدعم الحكومي وتدهور الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية.
وأوضح المنصف لـ “ريف اليمن”، أن الثروة الحيوانية في عموم اليمن تشهد انخفاضاً تدريجياً مقلقاً؛ نتيجة الأوضاع الراهنة والتغيرات المناخية الحادة، فضلاً عن الإهمال الذي يشهده القطاع الزراعي، وتقلص مساحات الرعي، وارتفاع تكاليف المستلزمات البيطرية والعلفية الضرورية.
عزوف الشباب والنساء
أدت المتغيرات الثقافية والتكنولوجيا إلى عزوف الشباب والنساء عن تربية الأبقار والأغنام ، إذ تؤكد السيدة “صفية (51 عاماً)” وهي ربة بيت أن عزوف أبنائها وبناتها عن رعي الأغنام أجبرها على بيعها بعدما أصبحت عبئا عليها إلى جوار البقرة، بعد رفضهم القيام بهذه المهمة الشاقة حسب وصفها.
ومع تطور التكنولوجيا، أصبح غالبية الشباب يفضّلون الجلوس وقضاء الساعات الطويلة أمام الأجهزة الإلكترونية بدل العمل في الزراعة ولو ساعة واحدة، في حين ترى النساء أن ذلك يؤثر على مظهرهن؛ وهو ما ساهم انحسار وتراجع الاهتمام بتربية المواشي في الأرياف.
قبل عام 2010 كانت نحو 70% من الأسر الريفية في قرية مروة بمديرية العدين، تعتمد على الثروة الحيوانية لكنها تراجعت حالياً إلى نحو 10% فقط
تقول السيدة آسيا لـ “ريف اليمن” إن “النساء والشابات انشغلن بموضات العصر، وأصبح من النادر تقبل فكرة رعاية الأبقار إذ ترى بعضهن أن ذلك يؤثر على مظهرهن وأناقتهن”. وتضيف: “هذا التغير في المفاهيم جعل الآباء يواجهون العمل وحدهم، بالإضافة إلى غياب الرعاية البيطرية مما اضطرهم لترك المواشي”.
غياب الرعاية البيطرية
تؤكد آسيا، إحدى سكان المنطقة، أن قرية مروة في مديرية العدين تفتقر تماماً لوجود عيادة بيطرية؛ مما يضطر الأهالي لقطع مسافة تزيد عن 30 كيلومتراً للوصول إلى مركز المدينة، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة في ظل وعورة الطرق الجبلية وارتفاع أسعار المواصلات.
هذا النقص الحاد في الخدمات الأساسية حوّل إصابة أي رأس من الماشية بمرض عارض إلى كارثة حقيقية تهدد مدخرات الأسرة، حيث يجد المزارع نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما خوض رحلة علاجية مكلفة ومرهقة قد لا تضمن نجاة الحيوان، أو الاستسلام لإحباط الواقع وبيع الماشية لتجنب خسارتها كلياً.
ولم تكن الأسباب البيطرية وحدها هي العائق؛ بل لعبت الظروف الصحية للأسر دوراً حاسماً، كما هو حال رشاد (55 عاماً) الذي اضطر لبيع ما يملك من أبقار وأغنام إثر إصابة زوجته بمرض “احتكاك المفاصل”؛ فبعد أن كانت الزوجة هي المتولية لمهام الرعاية اليومية، أصبحت عاجزة عن الحركة بأمر الطبيب.
تقول بحسرة: “لو امتلكتُ القدرة الجسدية كما في السابق لما تخلّيتُ عن بقرتي، فهي بمثابة دكان البيت ومصدر رزقنا، لكن الظروف أقوى من إرادتنا”.
في السياق، تشير الناشطة “فاطمة المليكي” إلى أن اتساع رقعة الفقر وتدني المستوى المعيشي الناجم عن النزاع المستمر، دفعا الكثير من الأسر إلى التخلي عن تربية الماشية. وتوضح المليكي لـ “ريف اليمن” أن “البقرة التي كانت رمزاً للاكتفاء، باتت تتطلب أعلافاً مكلفة تفوق قدرة الأسرة الشرائية، مما حولها من مصدر نفع إلى عبء مالي لا يطاق في ظل عجز الأهالي عن سد احتياجاتهم اليومية الأساسية”.
تداعيات اقتصادية وبيئية
لم يتوقف التراجع عند عدد رؤوس الماشية فحسب، بل امتد ليطال حجم الإنتاج القومي من اللحوم بشكل مقلق؛ حيث انخفض الإنتاج من 215 ألف طن عام 2014 إلى 180 ألف طن في 2018، وهو تراجع ينذر بخطر حقيقي يهدد الأمن الغذائي لملايين اليمنيين.
وبالنظر إلى أن قطاع الثروة الحيوانية يستوعب 25% من القوى العاملة الريفية ويوفر الدخل لأكثر من 3.2 مليون شخص وفقاً لمنظمة “الفاو”، فإن هذا التدهور يعني اتساع رقعة البطالة والفقر، وتحول الأسر من منتجة ومكتفية ذاتياً إلى مستهلكة تعتمد كلياً على الأسواق المستوردة.
على الصعيد البيئي، أدى انحسار تربية المواشي في العدين إلى ضرب صميم الدورة الزراعية؛ إذ أكد المزارعون أن غياب الحيوانات أدى إلى نقص حاد في السماد الطبيعي، مما أثر سلباً على خصوبة التربة.
أدت المتغيرات الثقافية والتكنولوجيا إلى عزوف الشباب والنساء عن تربية الأبقار والأغنام
وفي خضم التحديات، تبرز قصص التمسك بالتقاليد رغم مشقة الواقع؛ حيث تروي إيناس (اسم مستعار)، من ريف العدين، تجربتها في مساعدة والدي زوجها في رعاية الأبقار، رغم العزوف الجماعي الذي تشهده المنطقة عن تربية المواشي.
توضح إيناس دوافعها لـ “ريف اليمن” قائلة: أحرص على مساعدة الأسرة في هذا العمل لإدراكي القيمة الغذائية الكبيرة والفوائد الصحية التي توفرها لنا منتجات الألبان الطازجة.
ومع ذلك، تعترف بصراحة أنها لو ملكت القرار بمفردها لربما تخلت عن هذه المهمة التي وصفتها بـ”الشاقة”، لكنها تستدرك: “أستمر في العمل بدافع التقدير لوالدي زوجي، اللذين لا يزالان يتمسكان بهذا الموروث المعيشي كجزء أصيل من هويتهما الريفية”.
إجمالاً فإن الحفاظ على الثروة الحيوانية في ريف العدين وبقية الأرياف اليمنية يتطلب جهودًا تكاملية تشمل الدعم الحكومي، وتحسين الخدمات البيطرية، وتطوير برامج الإرشاد الزراعي، ومشاريع إدارة الموارد المائية والمراعي، إضافة إلى رفع الوعي وتشجيع الأسر على العودة للممارسات الزراعية المستدامة.
المصدر: ريف اليمن








