نعمان شعلان-خاص
يا ليلة الهلال هِلَّي .. وكانت أمي تشير إلى جبال الأعدان والقفلة .. تقول: سيأتي رمضان محملًا بالأواني والحطب، بكل أنواع الذرة والسمن والطحين، بأطباق البيض والكعك والتمور .. كنتُ أتخيل قدومه في مشهد (بانورامي) ممتدٍ رهيب.
أتخيله قادمًا من وراء (الأشعاب)، سيمر من فوق أكمة (النُوبي)، يجتاز (نباخ) إلى (الشناظير) و(القذال) و(المحدادة)، سيأخذ دورةً مكتملةً حول قمة (العروسين) تلك الأسطورة المعلقة في الفضاء، بعدها سيأتينا متمهلًا .. تتقدمه أهازيج وأفراح لا أول لها ولا آخر، يحمل معه رائحة الشفوت والكعداد والخَلِم .. وعلى قمة (المناخي) ترسو مواكبه العظيمة .. من هناك ينزل إلينا بأحمال الصحون والمقالي، بأكيال الدخن والشعير، بقنينات السليط والملح وأعواد الكبريت .. مع الصبح الأول للصيام سيكون في قريتنا (الحافة).
أغضب و(أتقرطط)!! لماذا ينام الناس في هذا الضحى؟ لماذا لا يصطفون طابورًا لاستلام حاجاتهم من رمضان؟ لا أسمع جلبة الناس!! ولا أرى زحامًا ولا ضجيجًا ولا صياحا!!
لعله يمنح الهدايا للنائمين فقط .. أحاول النوم، أُغطي كل منافذ الضوء ولو كان ثقبًا في جدار، أو شعاعًا من زجاج .. أتقلب مثل قط مشاغبٍ عالقٍ بين أكوام الثياب والأعلاف اليابسة .. تعاندي الأصوات فأسمع كل شيء: دبيب الحشرات في الشقوق، ونثيث الحشائش بين الزروع، وحتى صوت (الجوالب) التي أحببتها!! تؤز في أذني مثال جرس مبحوح .. يطول الوقت وكأنه شهور؛ ثم أنسى كل انتظار .. أنساه مع نحنحة (جدي علي الحاج) حين يعتلي ركن المسجد ليؤذن للإفطار.
كان رمضان بالنسبة لنا سيلٌ من العواطف، نهرٌ من الحنين، غيثٌ يكفي لإرواء بلدة بأكملها.
مراسيم استقبالنا لهذا الشهر لا تشبهها مراسيم الدنيا!! ولا مهرجانات الفنون والجنون .. حتى لو كان إفطاري عند الغروب على (بوابع) تالفة، لملمتها طوال النهار من (القيعان) والأزقة.
كل المواسم والمناسبات تذوب في حضرة الموسم الآتي .. تنحني لجلاله الأرواح، وتتواضع لأجله القلوب؟ هدية السماء لأهل الأرض.
لا يزال ترويج أمي (نعايم) وعمتي (عزية) وجارتنا (مريم) لشهر الصيام أعظم ترويج وأروع توصيف .. نتعلق بالوعد ونخشى الوعيد، نشعر بالأمان، ونرقب الأحلام .. لهن حكايات وأقوال تغلب ألف قناة فضائية، وتهزم أعتى مسلسلات الترفيه والفوازير .. وتلك الهالة الرمضانية التي يصنعها عمي (قاسم) والحاج (مكين) و(أحمد ناصر) و(سيف بن قاسم) كانت قناتنا الأقوى وإعلامنا الجذاب .. صوتنا المدوي، وصدانا المتموج بين الجبال والآكام.
وصوح مسجدنا قبيل الغروب!! ماذا يكون؟ أجمل روضة مشت فيه أقدامُنا، وأنقى مكان رافق طفولتنا .. ذلك الزمن الآسر .. تلك اللحظات الساحرة .. نبحث فيها عن ذواتنا في ذواتنا، عن وجودنا في وجودنا .. نصنع يوميات الانبعاث الأول للحلم والشوق والخيال .. وفي الزاوية الأخرى تتجلى مناجات الكبار .. يمدون أيديهم إلى السماء طلبًا للتوبة والستر والغفران.
أهلًا رمضان