اخبار هامة

كيف نحول الخسارة إلى فرصة تاريخية؟

كيف نحول الخسارة إلى فرصة تاريخية؟

صلاح الأصبحي-إب بوست

ما حدث لم يكن ليتوقع حدوثه بهذه الصورة حتى في أسوأ كوابيس الهزائم، فهو ليس سقوط تبة أو جبل، بل ست مديريات من محافظتين: شريان ساحلي، ميناء ومضيق وجزر، خسارة للأهمية الجيوسياسية لليمن في الإقليم وخريطة العالم، ووقوعها بيد الطرف الخطأ.


كان من المفترض أن يحرص الكل بلا استثناء على إبقائها بعيدًا عن الخطر طالما وأن صونها يصب في مصلحة هذا الكل، ويخفف عنهم عبء تهديدهم، وتطويق رقابهم بالوساويس التي تحاك من هذه الزاوية الجغرافية.


أمران فادحان صنعا هذه الخسارة، تَرك حماية باب المندب والساحل الغربي بيد طارق صالح وحده؛ لأن أهمية الأمر وخطورته تفوق استعداده للمواجهة، ومصداقية ولائه الوطني وإخلاصه، والأمر الآخر الاستهانة باستماتة إيران في السيطرة على المضيق، والتقليل من تأهب الحوثي وتضحيته بجنون في سبيل تحقيق ذلك.


تظافرت الأخطاء من الداخل والخارج حتى شكلت جسرًا عبر منه الحوثي إلى الساحل بيسر، ولم تكن عملية الصد بتلك الشراسة التي كانت تضخ كخطاب إعلامي، كلمات مترهلة تهاوت في أول لحظة اختبار، فلم تعيق تقدم العدو، ولم تخمد نار طموحه.


قد لا يكون طارق خائنًا، ولكنه متعال في تقدير مسؤوليته، هذا التعالي جعله ينفرد بقرار الساحل الغربي، وينصب نفسه واحدّا فيه، دون أن يُشرك الشرعية في إدارته، أو حتى في حمايته، وكأنه جزء خاص، وذاك خطاؤه القاتل الذي قاد إلى ما حدث؛ ففي لحظة الاجتياح كابر وعاند، ولم يستشعر الخطر، أو يستنجد ويرضخ لأي تغيير تستدعيه عملية إنقاذه من هذا الموقف.


الآن! وبعد ما جرى لا ينبغي البقاء في زاوية التأسي أو إلقاء اللوم أو النعت بالتخوين فكل هذا لا جدوى منه، فلا بد أن تتحول هذه الخسارة إلى فرصة ذهبية لإعادة بناء القرار السياسي اليمني، وتشكيل القوات التابعة له، وتغيير عملية إدارة المعركة بصورة خالية من أية حسابات سياسية، أو تفرد بالقرارات العسكرية أو الركون على تشكيلة عسكرية واحدة للدفاع أو الهجوم على مكان دون إتباع قرار عسكري يصدر من غرفة عمليات واحدة تابعة للشرعية في كل الجبهات.


يجب تلافي الأخطاء في المعارك، وتوحيد جاهزية كل جبهة، فلا تترك واحدة تواجه مصيرها منفردة، قوة أو ضعفًا، تسليحًا أو تجهيزًا، فليس منطقيًا لمن ينشد الانتصار أن يبقي السلاح مكدسًا في جبهة ما، ويتغاضى عن تسليح جبهة أخرى تواجه خطرًا أعمق، وتحديًا أشد ضراوة؛ كون غياب هذا التوازن يجعل الخسارات تتكرر، والسقطات تتوالى، بعضها تأتي عن عجز وفقدان الحيلة رغم العزيمة، وبعضها تنجم عن خذلان وتراخ وبيدها كل وسائل الثبات.


الولاءات كذلك ينبغي أن تخضع لتمحيص وتقرأ في سياقاتها، وألا تترك دون احتساب أهميتها، فإهمال تعددها، وتجاهل تشعب منطقها يجعل منها نقطة ضعف قاتلة تضاعف الشكوك، وتزيد من احتمالات الانكسار في أرض المعركة، ولنا في الساحل عبرة، فليس كل هزيمة وقعت فينا ناجمة عن كثرة العدو أو تفوق عتاده، بل بسبب وحدة قرار إدارته للمعركة، وواحدية ولاء أتباعه.


تجنب الاختلال هو المنطق الذي يجب أن ننطلق منه، فما مضى منحنا درسًا قاسيًا لنبدأ من هنا، والانتصار لا يأتي إلا لقوة صفرت أخطاء الإعداد والتجهيز لتشكيلاتها، والقتال كر وفر، والحرب سجال، والحظ يتبع الأدق.


لعل الإشكالية الكبرى التي غابت عن الأذهان فيما يتعلق بخسارة الساحل وباب المندب: أن طارق صالح لم يستشعر أن أمانه وبقاء قوته يبدأ من تعز، وصمود محورها، وأن دعمه وتزويده بالسلاح من أنجع التكتيكات لثباته، وأمان الجنوب يبدأ من الساحل الغربي، وأمان السعودية والمنطقة والعالم يبدأ من باب المندب.


لكن حين أُهمل هذا التسلسل الدفاعي، لدوافع غير منطقية وقع الجميع في الفخ، فتجزئة الخطر، وتجاهل بواكير حركته، يعجل من هرولته، ويضمن نجاحه، وهذا ما حدث.


لا نقلل من دعم المملكة لنا كسلطة شرعية وجيش  وطني في اليمن، وإنما مستاء من سوء تقدير الموقف، والتغاضي عن إعادة ترتيب الداخل اليمني السياسي والعسكري بشكل صحيح، وإلا فما بذلته وما تزال تبذله لا يقدر بثمن، ولا يليق به منا إلا الامتنان لجلالتها، وتعظيم سخائها .


فهي وحدها من تكفلت بدعم اليمن وحرصت على استقامة شرعيته؛ بينما بقيت دول العالم الخاشية من سيطرة إيران على المضيق وتهديد مصالحهم العابرة منه تتفرج من بعيد، وكأن الحرب في اليمن مجرد لعبة لا ضير إن خسرتها الشرعية اليمنية، ووقع المضيق في قبضة طهران، ففضلت الصمت والاكتفاء بلعب أدوار خطابية هامشية لا قيمة لها.


ورغم كل هذا فإن اليمنيين اليوم عازمون على مواجهة هذا العدو دون ارتهان أو مخاتلة أو مراوغة كحقيقة قصوى بنسق يتجاوز حقده عليهم، وإرادة تتخطى تغطرسه، فليس اليوم كالبارحة، فلن يظل مصيرهم بيده إلى الأبد.


لا بد من هزيمته أو الفناء دون ذلك، فلتدور الدائرة عليه، فهو لن يكتفي بما حققه، سيغره نصره وخسارتنا، وسيعمد إلى تعضيدها بآخر في تعز أو مأرب، لكن هيهات منا الذلة، وإن غدًا لناظره لقريب، وليس كل يوم تَسْلم الجَرة، وسنملأها له دمًا من هنا، من تعز، عهد بيننا وبينه، والعبرة بالخواتيم، وإذا بليت بظالم فكن ظالمًا، سنريه الظلم على أصوله.


يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!