اخبار هامة

    تدمير الإمارات للقضية الجنوبية!

    تدمير الإمارات للقضية الجنوبية!

    صلاح الأصبحي-متابعات

    اكتسبت القضية الجنوبية مشروعية سياسية تدريجيًا منذ 2007، ثم غدت قضية مركزية في المشهد السياسي اليمني بعد 2011، ونالت حظًا وافرًا في مؤتمر الحوار الوطني، وكانت الدافع الأساسي للتفكير في نظام الأقاليم الفيدرالي الذي أقرّته وثيقة الحوار الوطني، لكنها فقدت ذلك الحظ بحدوث الانقلاب الحوثي، وتزعُّم الإمارات لها، وفرض صيغة خاصة بها منذ تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في 2017، كواجهة كلية لها بنمط منحرف عمّا كانت عليه.


    هذا التطور أخرجها من المسار السياسي الدستوري التوافقي، وحوّلها إلى بيدق إماراتي لتحقيق مآلاتها الذاتية، ومرجعية للتغطية على نفوذها في الجنوب، واتخاذ المجلس الانتقالي درعًا سياسيًا، وتزيين درب الانفصال أمامه، وركل تلك الأسس والمكاسب الدستورية التي حققتها القضية في ما مضى من سنوات النضال.


    طبعًا، لم تعد القضية تحمل ذات المسمّى بعد خروجها عن سياقها القانوني، وتلويحها بخطاب تشطيري بحت سياسةً وسلوكًا، وتعزيز ذلك الخطاب بتشكيلات عسكرية تابعة للمجلس عمليًا، للشروع فعليًا بالسيطرة على بعض أجزاء الجنوب، وتأسيس هوية فك الارتباط في مختلف نواحي الحياة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وإذابة فكرة انتماء الجنوب لليمن وللشرعية وللدولة الموحدة.


    فقدت القضية رجالها المخلصين العقلاء، وتلقّفتها أدوات إماراتية تنفّذ تعليمات الأخيرة بصمت، حيث لم يكن بحوزة تلك الأدوات القدرة أو الصلاحية للاعتراض، أو طرح وجهة نظر عقلانية، أو امتلاك رؤية لإدارة البلاد في حال تحقق وعد الداعم لها، واختُزلت مهمتها في إبراز حضورها في عدن وأبين والضالع حضورًا شكليًا.


    لم يكن تبنّي الإمارات للانفصال وأدواته تلبيةً لمطالب شعبية جنوبية ونصرةً لمظالمها، بقدر ما اندرج ذلك الوهم ضمن مشروع سياسي استراتيجي إقليمي، بتحفيز صهيوني، لتغيير ملامح المنطقة وتقسيم أراضيها، والهيمنة على الممرات البحرية والموانئ بصورة غير مباشرة.


    وحينما تيقّنت أن هذا المشروع قابل للتحقق بيسر ودون الاصطدام بأية موانع داخلية أو إقليمية، دفعت بالانتقالي للقيام بالسيطرة على حضرموت والمهرة؛ ليغدو بعد هذه الخطوة من فاعل إلى مفعول، ويدفع ثمن تهوره الأحمق، ويتحطم مشروعه الصغير كأداة منفّذة، ومشروع الإمارات الكبير كمتحكم رئيسي في السياق بحذافيره.


    كانت القضية الجنوبية قضية عادلة قبل الهيمنة الإماراتية عليها، وذات طابع شمولي يضم كل أطياف الجنوب، إلا أن خروجها عن مسارها الوطني شطَرها إلى أكثر من جزء، وجعل لها أكثر من صورة، وخير شاهد عجزها عن إخضاع حضرموت والمهرة، وتعثرها بإشكاليات بينية عويصة اجتماعيًا وسياسيًا.


    لقد فتح الارتباط الإماراتي بها الباب على مصراعيه لتباينات مختلفة عنها، وخلق هويات متعددة لها، حيث إن الانتقالي فشل طيلة سنواته الثمان فشلًا ذريعًا في تمثيلها أو احتواء الجنوبيين تحت خيار الانفصال الذي تبنّاه، وظل متبجحًا بذلك الخيار بصورة فجة، مراكمًا السخط حوله وحول مشروعه، دون أن يأبه بكل العوائق التي يمكن أن تعترض طريقه.


    ليست حضرموت والمهرة وشبوة على هواه، ولا القوى الحزبية والسياسية مؤيدة له، حتى الجماهير الشعبية في مثلثه ليست على توافق معه، طالما أنه أذاقها وبال الملشنة والتمرد والفساد والنهب، ولم يكن صاحب مشروع دولة، بل غلبت على سياساته سلوك العصابات.


    لقد فخّخت الإمارات الجنوب وقضيته العادلة، وجعلته بركانًا يغلي بالصراع، والبحث عن المصير الآمن للحاضر والمستقبل لكل طيف سياسي أو عسكري أو جغرافي، وكانت خطوة الشقيقة الكبرى بالشروع بحوار جنوبي–جنوبي لاحتواء ذلك الغليان الذي أوقدت نيرانه الإمارات، بشرائها ولاءات سياسية وعسكرية واجتماعية، واتخاذها تلك الولاءات كواجهات باسم القضية والجنوب، بينما لا تشكّل حتى 30٪ من أصوات ورغبات أبناء الجنوب.


    يحتاج الجنوبيون اليوم إلى خلاص من تلك المعادلات الإماراتية التي حُقنت بها قضيتهم، وحُقن بها مجتمعهم، كشرط جوهري لاستعادة هويتهم وإرادتهم وكرامتهم، على مستوى التفكير السياسي ومستوى إحساسهم الوطني بقضيتهم والإخلاص لها بمختلف أطيافهم، سواء تبنّوا خيار بقاء الوحدة أو الفيدرالية أو الكونفدرالية أو تقرير المصير. الأهم أن يكون خيارهم نابعًا من إرادتهم الذاتية، لا الإرادة الإجبارية المدفوعة الأجر، حينها سيكون التفكير بالمصلحة العامة منطقيًا، وتغليبها على مصالح الأفراد والكيانات المتطفلة على القضية والمجتمع رأيًا سديدًا.


    الجنوبيون وطنيون حقيقيون، عبثت الظروف والإخفاقات بوطنيتهم وهشّمت بنيتها الأصيلة، وتمّت المتاجرة بها واستغلالها في كل مرحلة. لا أحد أحنّ عليهم من أنفسهم، وقد عرفوا كيف كانت حنية الإمارات عليهم ومناصرتها لقضيتهم أسوأ كابوس مرّ عليهم، وأقبح مرارة من حرب 86، وحرب 94، والمظلومية التي تعرّضوا لها من 94 إلى 2011.


    يمن شباب نت

    قد يعجبك ايضا!