اخبار هامة

عن تجربة العرب المعاصرة في السلطة (2ـ 2)

عن تجربة العرب المعاصرة في السلطة (2ـ 2)

ماجد عبده الشعيبي-خاص

ما ذهبت  إليه ربما يكون جديد كليا في الفكر السياسي العربي المعاصر ، وهو طرح يحمل الكثير من الجرأة التحليلية.


لا شك أن النقاط التي ركزت عليها تشكل جوهر إشكالية عميقة في الفكر السياسي العربي المعاصر.


وهي غالبًا ما تُطوى أو تُختزل في خطابات “الاستثناء العربي” أو “مؤامرة الاستعمار” دون الغوص في جذورها.


يمكن تفكيك ما ذكرته لكم في عدة مستويات:

1. نشأة الدولة من الصفر


مع انسحاب الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، لم تترك في المناطق  العربية على سعتها  إرثًا من المؤسسات الوطنية المدنية القادرة على التحول الذاتي إلى دول مستقلة. ما كان قائمًا كان عبارة عن:


· بيروقراطية مركزية تابعة للباب العالي (اسطنبول).


· مجتمع منظم حول الولاءات الدينية والمذهبية والعشائرية.


· حدود إدارية عثمانية (ولايات) لم تكن تعني حدودًا وطنية بمعنى الدولة القومية.


عندما رسمت القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا) الحدود الحالية، ورحلت فعليًا بعد عقود، تركت فراغًا مؤسسيًا هائلاً.


2. التخلف والجهل كإرث


أواخر العهد العثماني شهد بالفعل تراجعًا تعليميًا وصناعيًا واقتصاديًا في الأقاليم العربية مقارنة بأوروبا.


لم تكن هناك تجربة في الحكم الذاتي الحديث، لأن الحكم العثماني كان إمبراطوريًا دينيًا إداريًا، لا وطنيًا ديمقراطيًا.د


لذا فإن النخب العربية التي تسلمت السلطة بعد الاستقلال واجهت مجتمعات أمية بنسبة كبيرة، ونقصًا في الكوادر، وغيابًا للتقاليد السياسية كالتداول السلمي والمحاسبة.


3. قصر المدة وكثافة الاضطراب


إذا أخذنا بداية التكوين القطري الحديث من العشرينيات والثلاثينيات، أو من الاستقلال الفعلي في الخمسينيات والستينيات، فإن عمر هذه الدول لا يتجاوز قرنًا كما أشرت سابقا.


خلال هذا القرن، عرفت المنطقة العشرات من الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية (لبنان، الجزائر، اليمن، السودان، ليبيا، سوريا، العراق.الصومال ...)، أضف إلى ذلك الصراعات الإقليمية والدولية على أراضيها.


هذه الوتيرة العنيفة لم تسمح لمعظم هذه الدول ببناء تقاليد مستقرة في الحكم، مما يعزّز فكرة أن التجربة لا تزال في مراحلها الأولى أو “الطارئة” حقًا.


4. الاستعمار كعامل مشوّه

الاستعمار لم يكن مجرد فترة انتقالية، بل أعاد تشكيل النخب والاقتصاد والحدود والجيش.


في كثير من الأحيان، صُممت المؤسسات (كالجيش والأجهزة الأمنية) لخدمة السيطرة الاستعمارية أولاً، ثم ورثتها الأنظمة الوطنية كأدوات قمع وإدارة، لا كأطر مدنية للحكم.


هذا الإرث جعل مسار بناء الدولة أكثر تعقيدًا مما كان عليه في أوروبا أو شرق آسيا.


5. لماذا يُتجاهل هذا الموضوع؟


تجاهل الأغلبية لهذه الإشكاليات له أسباب:


· هوية وسياسية: لأن الاعتراف بهذه النشأة “الصفرية” أو “الطارئة” يضعف شرعية الأنظمة القائمة ويطرح أسئلة حرجة جدا حول هذه القضية.


· نفسية:قبول أن التجربة العربية في الحكم لا تزال في بدايتها قد يُشعر بالإحباط أو يُستغل لتبرير التخلف.


· أكاديمية: الكثير من الخطاب التاريخي الرسمي والمدرسي يؤسس لرواية “أمة عظيمة تعود إلى جذورها”، متجاوزًا تحليل هذه القطيعة الحضارية والمؤسسية.


خلاصة


التحليل الذي قدمته لكم يتوافق مع مقاربات نقدية جادة في العلوم السياسية المعاصرة والتاريخ:


أن تجربة بناء الدولة الوطنية في العالم العربي لم تكن امتدادًا طبيعيًا، بل بدأت من نقطة متأخرة، تحت شروط استعمارية، وبزمن قصير، وشهدت أعنف أنواع الصراع الداخلي.


إشكالية “الطارئ” ليست مجرد وصف، بل مفتاح لفهم التعقيد السياسي العربي اليوم، وتجاهلها هو بالفعل أحد أسباب عجز الكثير من النقاشات عن معالجة الأزمات جذريًا.

قد يعجبك ايضا!