د.محمد جميح-متابعات
تقوم فكرة «الولي الفقيه» على أساس فكرة أخرى، موجودة في الفقه السياسي الشيعي، هذه الفكرة هي فكرة «نائب الإمام» التي تقوم بدورها على أساس من عقيدة أخرى هي «غيبة الإمام» التي أسست لقضية فكرية وفقهية أخرى، هي تحريم قيام أية دولة للشيعة، قبل «رجعة الإمام»، ومن ثم النظر إلى أية دولة تقوم في الفترة بين «غيبة الإمام ورجعته» على أساس أنها دولة غاصبة ظالمة.
في البداية كانت فكرة «نائب الإمام» مقصورة على الجوانب الدينية، إذ كان «الفقيه الشيعي» مسؤولاً عن «أتباع المذهب»، يقضي حوائجهم، ويحل مشاكلهم، ويتولى الإفتاء في القضايا المختلفة، ويأخذ الخمس، ويتعهد مصارف هذا الخمس، وغيرها من شؤون دينية، لا علاقة لها بالجوانب السياسية التي كانت في يد السلطة الزمنية حينها، وهي سلطة «ظالمة»، بالمفهوم الشيعي للظلم الذي يعني أن يكون الإمام الحاكم من غير «أهل البيت»، أو أنه أي حاكم يحكم، قبل «رجعة الإمام الغائب»، المهدي الذي غاب، في القرن الرابع الهجري.
ومع بداية القرن السادس عشر الميلادي قامت امبراطورية الصفويين الترك الذين حاولوا إيجاد مشروعية سياسية لحكمهم، تكون مختلفة عن مشروعية منافسيهم العثمانيين الترك، غير أن الصفويين حاولوا التميز عن العثمانيين، سياسياً ودينياً، وكان من أبرز ما قاموا به في سياق هذا التميز هو التحول نحو «التشيع الإثني عشري»، ومن ثم فرض هذا التشيع بالقوة، في عهد مؤسس الدولة، شاه إسماعيل صفوي، على مناطق سنية واسعة في إيران، رغم وجود مناطق شيعية زيدية في بعض بلاد فارس، قبل مجيء الصفويين.
وقد واجه الصفويون معضلة عقدية وفقهية، إذ كيف يكونون شيعة، ومع ذلك يقيمون دولة يحرم فقهاء المذهب قيامها، ويرونها ظالمة، ما لم يكن على رأسها الإمام المهدي، بعد رجعته؟
هذه الإشكالية جعلت الفقهاء المرتبطين بالسلطة الصفوية (علماء السلطان) يسوغون جواز قيام دولة شيعية، قبل رجعة المهدي، وأوجدوا المسوغ الديني الذي يحاول إيجاد مخرج من «الورطة الفقهية» التي صنعها هؤلاء الفقهاء. ومعلوم أن الغرض من الإفتاء بحرمة قيام دولة، قبل رجعة المهدي، كان يتمحور حول إدانة الدول التي يحسبها هؤلاء الفقهاء على المخالف المذهبي، منذ الأمويين، وإلى العثمانيين، وذلك، لنسف المشروعية الدينية لتلك الدول. غير أنه وبعد قرون جاء طامح آخر في السلطة – وهذه المرة – ينتمي للمذهب الذي يحرم قيام دولة للشيعة، قبل خروج المهدي، فأراد أن يوفق بين مذهبه الذي يحرم قيام الدولة وطموحه في إقامة هذه الدولة. عندها ابتدع له الفقهاء منصباً سياسياً، يعد مخرجاً من تلك «الورطة المذهبية»، وذلك بأن يكون هذا الطامح السياسي، أو حاكم هذه الدولة في مكانة «نائب للإمام» المهدي الغائب، حيث نجد أنفسنا هنا إزاء نائبين للإمام الغائب، أحدهما «الفقيه» الذي يهتم بـ«النيابة الدينية»، وتنظيم الأمور الفقهية لأبناء الطائفة، والآخر «السلطان» الذي يهتم بالنيابة السياسية، وتنظيم الشأن العام.
ومع سقوط الدولة الصفوية في حوالي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي انتهت فكرة «نائب الإمام»، في شقها السياسي، وظل «نائب الإمام» في الفقه الشيعي، وهو رجل الدين الذي يعمل على رعاية شؤون الطائفة، ويتولى مسائل الإفتاء، وجمع الزكوات والأخماس من أبنائها، بما أن هذه الطائفة أقلية، تحتاج إلى التميز عن محيطها السني، بطابعها المذهبي المختلف.
واستمر الأمر على هذه المنوال إلى أن جاء الراحل روح الله خميني الذي أسس لفكرة "الجمهورية الإسلامية"، و"الحكومة الإسلامية" وأحيا فكرة نائب الإمام، ولكنه طورها، بشكل جمع بين "النيابة الفقهية" و"النيابة السياسية"، في شخصية واحدة، هي التي أطلق عليها «الولي الفقيه»، حيث جمع الخميني لنفسه المنصبين الديني والسياسي، في الآن ذاته.
ولا تبدو فكرة «النيابة الدينية» بعيدة عن سياقات كاثوليكية مسيحية، حيث إن البابا هو «نائب بطرس» الذي هو نائب المسيح، وبالتالي فإن البابا يعد نائباً للمسيح على الكرسي الرسولي في روما، وقد كان للبابا على أيام الدولة الرومانية الغربية منصب «النيابة الدينية»، غير أنه فيما بعد، وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، وقيام الإمارات والممالك الأوروبية على أنقاضها تعاظم دور البابا، فأصبح يعطي المشروعية للملوك والأمراء الكاثوليك، بشكل جعله يجمع بين النيابتين: الدينية والسياسية، في الآن ذاته، وهما النيابتان اللتان جمعهما الخميني في شخصيته، شخصية «الولي الفقيه، نائب الإمام المهدي»، وقائد الثورة الإسلامية»، في إيران.
وهنا أعطى الخميني نفسه منصب النائب الديني والسياسي، لكي يتأهل للجلوس على «الكرسي المهدوي»، تماماً، كما يجلس البابا على «الكرسي الرسولي»، بل إن الخميني ذهب – فيما بعد – إلى ما هو أبعد من ذلك، حين قال إن «الولي الفقيه»، فوق الدستور، على اعتبار أنه نائب للإمام المهدي، ومعين من قبله، ولا يجوز عزله، أو خضوعه للدستور، حتى أن الخميني قال عن نفسه: «أنا الدستور».
وهنا أصبح الخميني هو "الولي الفقيه"، وهو قائد الثورة، ومرشد الدولة والأمة، والحاكم الفعلي لـ"الجمهورية الإسلامية في إيران"، وهذه الجمهورية الإسلامية، حسب التنظيرات «الولائية» «ليست محددة بحدود إيران الجغرافية، بل تمتد لتشمل كل البلدان الإسلامية. وكما كان البابا القروسطي يعطي المشروعية للحكام المسيحيين، في أوروبا، فإن «الولي الفقيه» هو من يعين الحكام المسلمين، ويعطيهم الشرعية، حسب خطاب لأمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله، على اعتبار أن «نائب الإمام» معين من الإمام المهدي، وله حق تعيين الحكام، بحكم ولايته على المسلمين جميعاً، تلك الولاية التي ورثها عن الخميني سلفه الراحل خامنئي، ومن ثم نجله مجتبى، في استمرار لنظرية «ولاية الفقيه» التي عارضها ويعارضها عدد كبير من مراجع الشيعة الذين يرون عدم الخلط بين الولاية الدينية التي تخص المراجع الشيعية، والولاية السياسية التي تخص السلطة الحاكمة.
*نقلاً عن القدس العربي

