اخبار هامة

ضمير القاتل

ضمير القاتل

سلمان الحميدي-متابعات

بماذا يشعر القاتل حين يشرع في قتل إنسانٍ مدني؟


الحديث هنا عن القتلة الذين يستهدفون أناس ليس بينهم أي صراع أو خصومة. عن القاتل الذي يختطف إنسان ويقتله معنوياً ألف مرة، قبل توجيه الطلقات القاتلة.. القاتل الذي يترصد إنساناً أعزلاً ينفع الناس في ميدان التعليم أو التنمية أو الإصلاح وفعل الخير.. القاتل الذي يزهق أرواح ضحاياه  لمنفعة جماعة ما، أو مقابل مبلغ زهيد، أو بدافع ولاءٍ أعمى.


من الصعب تخيل مشاعر من قتل الدكتور عبدالرحمن الشاعر مدير مدارس النورس في عدن، ومن الصعب تخيل مشاعر من اختطف وقتل وسام قائد، مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، من الصعب تخيل مشاعر منفذي الاغتيالات عموماً، ذلك أن كل دوافع القتل المحتملة لا يمكن أن تقنع ضمائر حتى البلداء الذين أعاروا أنفسهم للغير، وهذا النوع من الجرائم هي ما يرهب الناس، وتوحي لهم بأنهم أهدافاً لمجرمين مستعدين أن يقتلوا لمجرد القتل، ولمجرد أن يحركهم أحد ويقول لهم: اقتلوا..


كيف يُقنع هؤلاء أنفسهم بارتكاب الجريمة؟


وكيف يعيشون بعدها، وهم يدركون أن "هدم الكعبة حجراً حجراً أهون عندالله من إراقة دم امريء مسلم" وأن المرء لايزال في فسحة من أمره مالم يصب دماً حراماً" وحتى لولم يكن هذا النوع من القتلة، يعرفون الله، كيف ينجحون في خداع أنفسهم ليعيشوا بضمائر باردة؟


***


قد يجد القاتل الذي يستخدم المدفعية، ويوجه قذيفته نحو المدينة، مثلما يفعل الحوثي، مخرجًا ليخادع به نفسه؛ فيقنعها أنه يستهدف قوات خصمه، رغم أن الضحايا مدنيون، وأن القذيفة سقطت بالمكان المستهدف. وقد يذهب أبعد من ذلك، فينسب الفعل إلى "طرف ثالث"، تخفيفًا لوطأة الذنب وتسكينًا لضميره، وربما يصل الأمر إلى الدرجة التي يتهم فيها القتلى بأنهم قتلوا أنفسهم!.


أما القنّاص في جبهة القتال، الذي يستهدف المدنيين من موقعه، فهو يرى ضحيته بوضوحٍ تام عبر منظاره، ويكاد يتيقن من براءتها، ومع ذلك قد يختلق مبررات واهية، فيصور لنفسه أن أرواح الأطفال والنساء  "خطر محتمل" أو "عدو في المستقبل"، ليتجاوز بهذا المبرر وزر الجريمة الثقيل، وإلا كيف نفهم نفسية القناص الحوثي المستمر باستهداف المدنيين؟.


وأما من يستخدم الطائرات المسيّرة في القتل، فقد يغريه شعور السيطرة وحداثة التقنية، فيتوارى خلفها، ويُبعد نفسه عن الفعل المباشر. وإذا تسللت الجريمة إلى وعيه، هرب إلى الحديث عن التقنية والآلة التي تقتل بلا إحساس، كأنما يلقي بثقل ذنبه على عاتق التكنولوجيا، لا على إرادته المتحكمة بأدوات القتل المتطورة.


***


هناك نوعٌ من القتلة يتلبّسه وهمُ القوة قبل ارتكاب الجريمة؛ لا يرى إلا ذاته المتضخمة، وينظر إلى الآخرين باستخفافٍ، كأنهم حشرات. يمضي خلف غروره، لا يصغي لصوتٍ يطلب منه أن يهدأ، ويظن في لحظة القتل أنه يمتلك من القوة ما يجعله قادرًا على تحدي العالم وسحقه. في تلك اللحظة يبلغ أقصى درجات الغرور، منفصلًا عن أي وازع، حتى الله، يظن أنه لا يراه.


ولربما اعتقد هذا القاتل، أن هيبة الإجرام ستحميه، فيتمادى حتى يصل به الأمر إلى ترهيب أقارب الضحية!.


قبل سنوات، وفي المنطقة المجاورة قام شخص بقتل رجل مسن في وضح النهار، ذهب الناس لدفن الجثة في مقبرة القرية قبل الظهيرة، كان القاتل واقفاً بسلاحه، بوقاحة، على تلة مطلة على المقبرة، يراقب مراسيم الدفن، لاحقاً تمادى بالبطش، شرد أسرة القتيل، وتحت ضغط التوجس، زاد ضحاياه من المارة، وحين ظن أن قوته تتوسع، وجد جسده تتجاذبه أيادي الراصدين.


هذا النوع من مرتكبي جرائم القتل تتباين دوافعهم: منهم من يقتل طمعًا في المال، كمن يقتل صديقًا ليسلب مدخراته، أو يعترض مسافرًا لينهب ما معه. ومنهم من تدفعه الخصومات والغضب، كالنزاعات على الأراضي أو بدافع الانتقام. وهناك من يندفع بدافع الفزعة أو نصرة صديق، أو سعيًا لصناعة هيبةٍ زائفة لاسمه أو عائلته، ومنهم من يقتل لأجل الشرف أو لإيقاف الابتزاز. منهم من يقتل سراً، ومنهم من يقتل علانية..


لكن النتيجة واحدة، مهما بلغت قوة القاتل وأفلت من العقاب، يعيش في قلقٍ دائم، يطارده شعور الجزاء العادل في أي لحظة، ويلازمه الخوف، ويصل إلى مرحلة يجد نفسه فيها أن الأرض تضيق به ولا يجد له متسعاً فيها، وحتى القاتل الذي يتباهى بقوته وهيبته قبل الجريمة، وفي لحظتها، سرعان ما يدخل في دوامةٍ قاسية: إلى أين يذهب؟ وكيف سيعيش؟


إن احتمى بالقبيلة أو فر إلى منطقة ما، عاش أسير رقعةٍ ضيقة، مقيد الحركة، يخشى الخروج، وتظل نهايته معلّقة بين مواجهة المصير أو الرضوخ لحياة طويلة من الخوف والذل، يحمل فيها وزر دمٍ لا يفارقه.


وإن هرب خارج البلاد، باسم غير اسمه، أو حتى باسمه، وحتى إن توارى في أقصى الأرض، لن ينجو تمامًا؛ ففي زمن تتسارع فيه المعلومات تتزايد فيه التحالفات الأمنية بين الدول، قد ينكشف أمره في أي لحظة، فربما التقاه عابر هزته الجريمة، فالتقط صورته وساهم بشحن المتهم ببدلة زرقاء، وإعادته إلى ما فرّ منه، مهما طال الزمن.


أما إن انتهى به المطاف في السجن، فإن كل مظاهر القوة تتلاشى. لا يرى أمامه سوى شبح القصاص، فيتحول أطفاله إلى وسيلة استعطاف وتوسل، وأمه تستجدي العفو، والعائلة تتمرغ عند أقرب قبر لأحد أعيان عائلة القتيل تستحثه التدخل، أو يظهر رؤوس قبيلته ومعاونيهم وهم يبحثون عن عفو لوجه الله. وهكذا، ينتهي الأمر بحقيقةٍ لا مهرب منها: من ظن أن القتل يمنحه قوة، يكتشف متأخرًا أن الجريمة لم تورثه سوى المذلة والخزي.
 

المصدر: يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!