أحمد اليفرسي-خاص
يخضع حتى اللحظة أكثر من 92 مختطفًا من وجاهات إب ومثقفيها وكوادرها من كافة التخصصات العلمية، لانتهاك صارخ وعقاب جماعي في سجون الـ،حـ/وثي وإخفاء قسري منذ ما يزيد على 10 أشهر، إب محافظة سنيّة 100% ترفض الـ،حوثـي وطائفيته الخمينية ومنهجه التكفيري المتطرف، وبناءً على ذلك يواجه أبناء المحافظة واحدة من أعنف موجات التجريف المؤسسي والفكري في تاريخه المعاصر، إذ تعمّد الـ،حـ/وثي ون مذ لوثوا إب بوجودهم تنفيذ عمليات الاختطاف المتواصل لأبناء المحافظة وكوادرها كما أشرت في البداية، وكذلك توجيه ضربات هيكلية تَصفوية لأهم المفاصل التي بُنيت عليها مدنية واستقرار هذه المحافظة وهي قطاعات التعليم، والقضاء، والإدارة المحلية، والأمن. وهي خطة مدروسة لعزل الكفاءات والكوادر المحلية التي قادت العمل المؤسسي لعقود، وإحلال عناصر طارئة طائفية عقائدية تكفيرية تفتقر للحد الأدنى من الأهلية والمشروعية.
في قطاع التعليم مثلًا، تعرضت المنظومة التربوية في محافظة إب لعملية عسكرة وتطييف واسعة، فلم تقف الانتهاكات عند حدود قطع الرواتب والتضييق المعيشي على المعلمين والمعلمات، بل تجاوزت ذلك إلى تنفيذ حملات مداهمة واعتقالات تعسفية طالت الإداريين والأكاديميين الرافضين لتحويل المدارس والجامعات إلى ساحات للتعبئة الأيديولوجية والتجنيد الإجباري، والتهديد والوعيد لكل من يبدي ولو ملاحظات عابرة ترفض ما يقوم به الـ،حـ/وثي من عفن طائفي في حق التعليم، كما استُبدلت القيادات التربوية المشهود لها بالنزاهة والخبرة بمشرفين عقائديين طائفيين جهلة، مما أفرغ العملية التعليمية من محتواها العلمي، وحوّل الصروح المعرفية في المحافظة إلى بؤر لنشر الكراهية وتفخيخ عقول النشء.
بالتوازي مع تدمير التعليم، نال جهاز القضاء في إب نصيبًا وافرًا من الانتهاكات الرامية إلى تقويضه، وعمد الحوثيون إلى تغييرات جذرية في السلك القضائي حتى غدا القضاء في إب أداة طيعة بيد المشرفينالـ،حـ/وثي ين، ومظلة لتنفيذ رغباتهم وأجنداتهم، مما أدى إلى غياب العدالة وتفشي الفساد القضائي، وتجريد المواطنين من حقهم الأساسي في الحماية القانونية المنصفة.
ولم يكن الهيكل الإداري والأمني للمحافظة بمنأى عن هذا التدمير الممنهج، فقد شهدت المؤسسات الخدمية والمكاتب التنفيذية في إب عمليات تجريف واسعة للكوادر الإدارية المؤهلة، وتحولت من مراكز لإدارة الشؤون التنموية إلى أدوات لفرز الولاءات وجباية الأموال والضرائب الباهظة من السكان دون تقديم أي خدمات أساسية. وعلى الصعيد الأمني، أُقصيت الكفاءات العسكرية والأمنية من أبناء إب وجرى إحلال مجاميع مسلحة عقائدية أرسلها الحوثيون إلى إب من محافظات صعدة وعمران وحجة، ومشرفين عقائديين أداروا الملف الأمني بعقلية العصابات، مما تسبب في تحويل إب إلى ساحة مشاعة لبلطجة الحوثيين والسطو على أراضي الأوقاف وأراضي الدولة والمواطنين، واتساع رقعة الانفلات، وتفشي الجريمة المنظمة، فضلًا عن تحويل أجهزة الأمن إلى وسائل لقمع الناشطين ومصادرة الممتلكات والسطو الممنهج على أراضي الدولة والمواطنين بقوة السلاح.
في خضم هذا التجريف الشامل، تبرز المأساة التاريخية للوجاهات والمشايخ التي داهنت هذا المشروع في بداياته طمعًا في الحفاظ على نفوذها القبلي ومصالحها. هؤلاء وجدوا أنفسهم سريعًا في دائرة الإذلال والتنكيل بعد أن انتهت صلاحية أدوارهم المرسومة حوثيًا. تعمدت المليشيا سحب كل الامتيازات منهم، وتهميشهم لصالح صغار المشرفين، ووصل الحد إلى اقتحام منازلهم، ووضع بعضهم تحت الإقامة الجبرية، بل وتصفية بعضهم جسديًا بعد سلب كرامتهم وحاضنتهم الشعبية، ليكون مصيرهم درسًا قاسيًا في عاقبة الارتهان للمشروع الإمامي.
إلا أن هذا المشهد المأساوي الممتد من الفساد المؤسسي وإذلال الرموز أفرز واقعًا مجتمعيًا جديدًا يتجاوز الانكسار. يشهد العمق الاجتماعي لمحافظة إب اليوم إجماعًا لافتًا على رفض الكهنوت الحوثي ومشهدًا تاريخيًا في عظمة الوعي الجمعي والوحدة الشعبية، فقد أدركت كافة المكونات والتوجهات والقبائل والأحزاب وكافة الشرائح الاجتماعية والكوادر الإدارية والأمنية، والشباب الناشطون، أن المليشيا تستهدف الهوية الجامعة والوجود الإنساني للمحافظة بلا استثناء. هذا التلاحم المتصاعد وتوحيد الصفوف هما حجر الأساس لرفض الهيمنة وبداية الحراك الفعلي نحو تحرير المحافظة واستعادة مؤسساتها، وإعادة الاعتبار لرجال إب وكفاءاتها لإدارة المرحلة القادمة.

