اخبار هامة

خرافة الولاية وخطرها على الجمهورية

خرافة الولاية وخطرها على الجمهورية

صلاح الأصبحي-متابعات

لم يكن يخطر ببال الساسة والعامة أن انقلاب الحوثي 2014 سيهرول باليمن عكسيًا إلى قعر رواية الولاية المندثرة والماضي السحيق الذي يعيد تنصيب القومية الهاشمية وتفويضها بالسلطة المطلقة بناءً على المشجر السلالي، وفقًا لرواية باطلة تنافي رسالة الدين وتشريعاته في الحكم كمطية رجعية ومعول تقويض للجمهورية: الثورة والفكرة، الدولة والدستور.


لم تكن إمامية بيت حميد الدين بصرامة الإمامية الحوثية من الناحية العقائدية وإحياء الطقوس الشيعية وتطييف المجتمع بالقوة، فالأخيرة ماضية بشراسة في الاقتلاع المستفحل لدعائم الجمهورية السياسية، والإحلال الجذري لخرافة الولاية، تلك هي المفارقة المفزعة التي صحا اليمنيون على أصدائها وهم يُجبرون من مليشيا الحوثي على إحياء ما يُعرف "بيوم الغدير" في الثامن عشر من ذي الحجة، باعتباره اليوم الذي نصت فيه رسالة الإسلام على تولية علي بن أبي طالب ونسله من بعده حتى هذا اليوم الذي يدعي الحوثيون أنهم من جينات ذلك الرجل والمقصودون بتلك التوصية، وعلى اليمنيين الإذعان والرضوخ امتثالاً وانصياعاً لثوابت عقيدتهم.


منذ عقد تقابل طقوس الحوثيين الغديرية بموجة من السخط والاستهجان، وردة فعل عارمة يبذلها أصحاب الأقلام والأفكار يدحضون زيف تلك الفكرة، ويسوقون الحجج والبراهين التي تعيد الكرة إلى مجراها الأول، مثبتين بطلان ذلك الادعاء قياسًا على منظور الإسلام ورؤيته لنُظم الحكم وتاريخه الممتد منذ مرحلة خلافة أبي بكر، والمثير للغرابة أن إثبات افتراء ما تدعيه الحوثية بالأدلة واستقراء مصادر التشريع والتاريخ والسِيَر لا يضع حدًا لمهزلتها وتراجعها عن ذلك الحمق أو التخفيف من عصبويتها؛ لأنها صاحبة فكر أعمى وبصيرة شمطاء وقوالب خرافية معلبة - من وجهة نظرها- لا تخضع للجدال ولا يليق بها الشك أو الرفض؛ كونها من الثوابت الجذرية التي يتكئ عليها الدين وتضبط قوانين السياسة حسب معتقدها.


وهنا تزداد أزمة اليمنيين تعقيدًا ودرامية، وسوداوية فجة إبان التآكل الداخلي للفكر الجمهوري على يد فصيل سلالي يتباهى باسترداد مجد مؤثل وحق مستلب من أربعة عشر قرنًا، والأفدح أن الحوثي يعمل على تأطير انقلابه وتمرده بالذود عن أحقية مشروعة سنها له الدين الذي يؤمنون به والتبجيل الشاسع الذي يكيلونه لجدهم الأول، وقد مُنحوا للتو فرصة على يد (آل علي الحوثيين) لتصحيح مسارات دينهم ودنياهم، والتمسك بحطام السلالة والانسياق لمتاهاتها وادعاءاتها!.


والسؤال المشروع هنا: هل يعي اليمنيون ضخامة التحدي المثقل على كاهلهم، والخطر الذي يبعثر آمالهم ويشتت شملهم، وهم يصرخون منددين بالجمهورية والديمقراطية والحوار الوطني والتبادل السلمي للسلطة والشرعية الدستورية، وارتطام كل هذه المسميات بجدار الولاية والاصطفاء والعرق الآري لنسل شخص حُصن بأفضلية دينية وهيمنة على شؤون الحكم؟.


وإذا كان هناك تصور ما يقلل من طبيعة هذا الصراع، ويعتبره مجرد خطاب ظاهري لم يتسرب إلى عمق الوعي والمعتقد والسلوك لدى اليمنيين في المناطق الحوثية فقد أساء التقدير، وجهل أبعاد الخطر وأذرعه، فهناك تأصيل شامل وتجريف عارم في المدارس والجامعات ومنابر المساجد ودورات التثقيف، وترويج وتغيير للمسلمات لدى النخب والعوام، وقد خفتت عوامل الرفض وبات التماهي معها أمرًا اعتياديًا يشق طريقه بجدية ويمارس غطرسته بكل أريحية وهدوء.


وعليه فإن يوم الغدير خيط رفيع وسط كومة من المناسبات والشعائر والطقوس التي استعادها الحوثي من سلة مهملات التاريخ، مانحًا إياها الحيوية والتبجيل، إلى جانب كل التقديسات الباطلة المخترعة للشيعة التي يتخذها برهانًا لمشروعه السياسي وبرنامجًا يمحو من خلاله أطلال الجمهورية المغتصبة، وكل ما ترسب منها في الذهن والواقع، فلا المكاسب التي نالها اليمنيون بفضل الجمهورية ستبقى، ولا تصورهم لها سيصمد مقابل التجريف والتطييف والتشيع الذي يستحوذ على حياتهم ويجتث حريتهم وكرامتهم.


وعليه؛ فشتان بين غايتين: واقعية ملموسة، مشروعة ومجربة، وأخرى خرافية مزعومة، باطلة وفاشلة، الأولى جمهورية تستوعب الجميع والكل في نظرها سواسية وعبر أسسها ينال كائن من كان مشروعية في السلطة والوظيفة والقيادة؛ والثانية ولاية مزعومة اصطفت سلالة بعينها وفوضتها بالسلطة والسيادة وما دونها عبيد وخدم يطيعون تلك السلالة ويجردون من الجاه والمال والنفوذ، ويسبّحون بفضل السلاليين معظّمين أفعالهم وأقوالهم باعتبارهم الصلة بين الله وبينهم، ونوره الذي يقودهم إلى مدارب الهداية والإشراق وضوء الإسلام المختزل في خميرتهم الجينية.


والخلاصة من كل هذا: إذا استهنا بطبيعة المعركة الصراعية بين الجمهورية والولاية، وبتنا نعتبر أنها مجرد صراع سياسي بحت، وتقاسم نفوذ وأجندة بين أقطاب خارجية؛ فإننا نشنق أنفسنا بأيدينا ونوقع حكمًا على هلاكنا المحقق، ومأساتنا التي ستبتلع جيلنا وأجيالاً قادمة، بانعطافنا عائدين إلى زمن غابر نعيش كل مآزقه وصراعاته الدفينة ونزاعاته الدموية وسخافاته الموحشة، التي تُجمد العقل والعلم وتصنع الخرافات والشعوذات والهرطقات التي حجبت المسلمين قرونًا عن التحضر والمعرفة.


منصة الهدهد

قد يعجبك ايضا!