صلاح الأصبحي-متابعات
من التساؤلات المفتوحة في التاريخ السياسي المعاصر في اليمن والمنطقة تلك التي تتعلق بشفرة النجاة الواقية للحوثي من السقوط في قعر النهاية لمشروعه، تسهب التأويلات وتستطرد حول ذلك، والحقيقة تكمن في ارتباط بقائه بسياسة الرمق الأخير كاستراتيجية سياسية وعسكرية لازمت مسيرته وصيرورة حضوره الذي يقتات من تحوير كل نهاية إلى بداية جديدة.
بالقراءة الفاحصة لتاريخه منذ صعوده إلى السطح تصادف النهايات الوشيكة والضربات القاصمة والحلقات الأخيرة القاسية من الحروب الستة إلى عاصفة الحزم إلى معارك الجيش الوطني إلى الهجمات الإسرائيلية ثم الضربات الأمريكية؛ إلا أن مجملها لم تسعَ إلى انتشال الرمق الأخير منه مهما كان تهديد بقاء ذلك الرمق لدوافع مؤجلة.
ذلك حظه الوجودي ولعنة خصومه التي ترجح كفة نجاته من كل مأزق وسلامته من كل خطر، مختزلًا انتصاره بمجابهة الأخطار التي تمنحه حياة جديدة من المسافات الضيقة الفاصلة بين البقاء والفناء، وقدرته على إغواء الآخر الخصم والحليف لتأجيل منيته مهما كانت غير قابلة لتغيير موعدها.
المفارقة العبثية أن هذه الاستراتيجية ليست مقتصرة على ذلك الوجه الانزياحي الذي تؤول إليه غالبية المعارك التي خِيضت ضده وتقهقر حسمها، بل هي فلسفة حوثية ميكافيلية شمولية متعددة الصور، متناقضة الأبعاد وموحدة الغايات جعلت منه كيانًا منيعًا غير قابل للإزاحة.
ولتقريب الصورة أكثر فمن المؤكد قطعيًا أنه يخوض كل معاركه كأنها فاصلة، يتأهب قبلها لخوض نزالات أخيرة دون اكتراث بالخسارات، ولا يفارقه ذلك التأهب بعدها مما جعل عنصر المفاجأة في مواجهته غير مجد، وأثناء خوضه للمعارك يُفعل كل احتمالات القوة والضعف، والنصر والهزيمة كتأمين طرق الفرار وتفخيخ الأماكن بالألغام، وشغفه بامتلاك أسلحة تهديد عن بعد كالصواريخ والمسيرات.
وليقينه بكونه يواجه مصيرًا طريدًا يحرص على تخفيف ذلك العبء بترسيخ جذور أخرى له بأيديولوجيته الدينية وميثولوجيته التاريخية المتصلة بسلالته لإبقاء جزء منه حيًا إن مُني الجزء الآخر بالفناء، فيعتني بتسخير كل ما في المجتمع لصالحه من بشر ومال وعقول ومشاعر ومبادئ .
ومن أية زواية تنظر منها له لوجدته الصورة الحية لهذه الاستراتيجية، فهو لا يترك خصمًا يلفظ أنفاسه الأخيرة دون افتراس، ولا يخطو نحو النهاية بل يجعل من خلق المخاطر وإشعال الفتيل دورة حياة له هذا في الحرب، وفي السلم والسياسة يخلق هوة شاسعة بينه وبين قربه للمثول لأي حل سياسي، ولذا ذهبت سنوات دون أن يفضي هذا المسار معه إلى نتيجة ملموسة.
وعندما اختزل وجوده بالصراع بينه وبين الشرعية استطرد عنه بافتعال صراعات أبعد مع إسرائيل وتهديد الملاحة الدولية وتحمسه للذود عن إيران، وتلويحه بضرب دول الجوار، كل هذا يصب في تعقيد مهمة النيل منه، ويجعله أكثر رهبة أمام الآخر الداخلي أو الخارجي الإقليمي والدولي.
لم يكن تبنيه لهذه الاستراتيجية عبثًا وإنما برزت على مظاهر تتردد على مسامعه ليل نهار لدرجة أنها تحولت إلى فوبيا عنده، فإذا كان خطاب الشرعية يلوك في الشارد والوارد منه التنديد باستعادة صنعاء وتحرير اليمن من قبضة سلطته، مما دفعه لتغيير الزمن لسنوات والمسافة لأميال حتى لا تحل عليه لحظة الرمق الأخير عنده.
وهنا فإن تحويل رغبة الانتصار عليه من حلم بعيد المنال إلى واقع ملموس لن يتأتى إلا بإبطال مفعول هذه الاستراتيجية وتفكيك أسلاكها المتشابكة في الداخل والخارج، وفاتحة خطوة كهذه يتمثل بتحييده كخطر محض ونسف البروباجندا البراغماتية والسياق الراديكالي الذي يخفي بشاعة خطره محليًا وإقليميًا، ويحيله إلى كيان فاعل في سياسة تضارب المصالح والمشاريع السياسية والاقتصادية في اليمن و خارجه.
يمن شباب نت

