سلمان الحميدي-متابعات
تتحرك الإمامة داخل المجتمع اليمني وكأنها تعرفه أكثر مما تعرفه بعض مكوناته نفسها. الإمامة بنسخها المختلفة، تعي أن القبيلة هي القوة القادرة على حماية الإمامة أو هزها. ولهذا، نظرت إليها باعتبارها أحد الأخطار الكبرى الذي ينبغي إدارته بذكاء فائق، وتفكيكه، وتطويعه لتحقيق مصالح الإمامة.
انطلاقاً من إدراكها لطبيعة المجتمع القبلي، سعت الإمامة، منذ زمن بعيد، إلى ترسيخ أفكارها بين القبائل، وتحديداً الأفكار التي تجعل طاعة الإمام فضيلة دينية، وتضفي على سلطته هالة من القداسة، كما يشير محمد محمود الزبيري. كما أعادت تقسيم اليمن اجتماعياً إلى "اليمن الأعلى" و"اليمن الأسفل"، كأداة سياسية لترتيب المكانة الاجتماعية، جاعلةً الحكم حكراً على الأعلى، رغم احتكار السلطة في بيت واحد من السادة، وإقصاء المنافسين من أي بيت كانوا.
هذه الاستراتيجية، صاحبت الإمامة على مر القرون. ومن يقرأ عهدَي الإمام يحيى والإمام أحمد، يجد أن العلاقة بين الإمامة والقبيلة كانت قائمةً على إدارة الخوف.
كان الإمام يخاف من القبيلة أكثر مما يحتقرها... ولهذا احتقرها.
قد تبدو الجملة متناقضة، لكنها تختصر فلسفة الإمامة في الحكم. الإمامة تنظر إلى القبيلة نظرة سيدٍ يستخدم أداةً يخشى انقلابها عليه. تخاطب الإمامة القبيلة باحتقار واستعلاء ممزوجين بذكاء استغلالي خارق. يستشهد الباحثون بما رواه عنان زيد في كتابه "مذكراتي": كان الإمام أحمد يخاطب كبريات القبائل مثل حاشد وأرحب بعبارات من قبيل: "خدامتنا حاشد.. خدامتنا أرحب"، وهي جملة تكشف عن التعامل مع القبيلة كخادمٍ مخلص في بلاط السيد..
ورث الإمام أحمد هذه النظرة عن والده الإمام يحيى، الذي تعلمها بدوره من التجربة التي اكتسبتها الإمامة من تاريخها الطويل في اليمن. وقد اختبر يحيى هذا الدرس مبكراً، حين واجه في السنوات الأولى من حكمه انتفاضات قبلية متتالية، احتجاجًا على جباية الزكاة، ونظام الرهائن، والسخرة، والتجنيد الإجباري. ليظهر التناقض الأكبر في السياسة الإمامية؛ الخوف من القبيلة يدفع إلى إضعافها، لكن الحاجة لتوسيع نفوذ الإمامة تفرض استرضاءها.
في كتاب "تاريخ اليمن المعاصر (1917-1982)" ترجمة محمد علي البحر، يلخص خمسة مؤرخين سوفيت هذه السياسة بوضوح: كان استقرار السلطة المركزية للإمام يحيى مرهوناً بتنظيم علاقاته مع المشائخ، خاصة الأقوياء منهم، ثم مع قبائل المناطق الزيدية والشافعية على السواء. لتستخدم الإمامة معادلة دقيقة: توظيف القبيلة لخدمة السلطة، مع تجريدها من أي قوة تهدد الإمامة.
ويؤكد الدكتور عبدالعزيز المسعودي في كتابه "القوى الاجتماعية لحركة المعارضة اليمنية (1905-1948)" أن الإمام يحيى استطاع احتواء أعيان الريف ووجهاء المدن وتوظيفهم في خدمة سياسته. ولضمان ولاء القبائل، جنّد أعداداً هائلة من بكيل وحاشد، ويذكر المستشرق سارجنت أن هؤلاء تحولوا تدريجيًا من مزارعين إلى أشباه قوات نظامية، تتولى جمع الزكاة، وقمع الانتفاضات، وفرض هيبة الإمام على السكان.
في المناطق التي استعصى إخضاعها، تعاملت معها الإمامة بسياسة مختلفة؛ الاستعانة بقبائل من خارج المنطقة لقمعها. كان الإمام يستميل الشيوخ القبليين لتأدية هذه المهمة، مقابل منحهم وعود بإقطاعيات من الأراضي المنهوبة. ويرسم الأنثروبولوجيون هذه الصورة بسخرية لاذعة: الإمام يعلن "الجهاد"، والشيخ يقود خيل الإمام للمعركة. القبيلي يقاتل طمعاً بالأرض، لكن الإمام حاذق؛ عند العودة يوعد الشيخ بأرض أخرى في منطقة أخرى.
وهكذا يواصل الإمام توسيع نفوذه بأقل كلفة ممكنة، ويظل الشيخ يحارب.. ولم تقتصر سياسة الإمامة على ذلك، بل شملت مصادرة أملاك الخصوم، والاستيلاء على أراضي الوقف والمشاعات، وإعادة توزيعها على الدائرة المقربة من الإمام. ونتيجة لذلك، أصبح الإمام وأسرته وكبار أعوانه من أكبر ملاك الأراضي في اليمن، في حين انحدر معظم الفلاحين من أبناء القبائل إلى الفقر المدقع، واتسعت الفجوة الاقتصادية بين طبقة الحكام وعموم السكان.
مع ذلك، فإن الإمام ورغم الخدمات التي تقدمها له بعض القبائل، لم يكن يثق بأحد. فما إن يبدأ شيخ برفع رأسه أو يتوقف عن خدمته، يبادر الإمام بتفكيك القبيلة من الداخل، وانتزاع نفوذ هذا الشيخ أو ذاك. يستدعي العداوات القديمة بين القبائل، ويؤجج المنافسة بين مشائخ القبيلة الواحدة، فإذا هدأت الخصومات أعاد إشعالها، وإذا تصالحت القبائل وجد لها سببًا جديدًا للقتال.
في المناطق الشافعية، مثل تعز وتهامة وإب، اتخذ الإمامين يحيى وأحمد أسلوباً مقارباً للسيطرة مع مراعاة بعض التفاصيل بهدف احتواء المجتمع وإخماد الانتفاضات. أبقى الإمام يحيى، الشيخ في مناطق تعز مسؤولًا عن جباية الزكاة وإرسال نصيب الإمام، مع السماح له بالاحتفاظ بجزء منها، وهو ما أغرى كثيرًا من المشائخ بمضاعفة الجبايات على الرعية. ومع مرور الوقت، تراجعت مكانة الشيخ، فاستغل الإمام هذا التراجع ليجرده تدريجيًا من سلطاته، فعين عاملًا وحاكمًا وكاتبًا في كل قضاء، ثم استحدث نظام "الأمين" ليصبح حلقة الوصل المباشرة بين الإمامة والمواطن، بينما تحول الشيخ إلى كوز مركوز.
كما لجأ الإمام إلى إرسال شيوخ من قبائل "اليمن الأعلى" لإخضاع "اليمن الأسفل" حسب تقسيمه للبلاد، أي يرسل الشيخ القبلي إلى مناطق في تعز أو إب أو تهامة للسيطرة على أجزاء من تلك المناطق، مقابل منحه جزءاً من أراضيها إقطاعية له، يحتفظ الإمام بالأراضي الأعلى دخلاً وخراجاً ويسكت المشائخ ببعض الأراضي. وبهذه السياسة، زُرعت ضغائن بين اليمنيين على أساس جغرافي "أعلى وأسفل".
هكذا نجحت الإمامة في تنفيذ واحدة من أكثر الحيل السياسية دهاءً في تاريخ اليمن؛ بإعادة تشكيل دور القبيلة، وإقناعها، بالتدريج، بأن حماية مصالحها تمر عبر حماية عرش الإمام.
يمن شباب نت

