سلمان الحميدي-متابعات
كانت الإمامة تعمل على إضعاف القبيلة اليمنية وإخضاعها، تبدأ غالباً بتوظيف المشايخ والوجاهات الاجتماعية لخدمة مشروعها، ثم التخلص منهم عند انتهاء دورهم. في مقال الأسبوع الماضي، قلت من فاته أفعال الإمامة فليتأمل نسختهم الجديدة: الحوثة، وكيف يتعاملون مع المشايخ والوجاهات الاجتماعية. الأفعال تتجاوز التهميش وتصل إلى تصفية القبليين الذين قدموا خدماتهم للحوثيين.
تشير تقديرات غير نهائية إلى مقتل أكثر من 140 شيخاً ووجيهاً اجتماعياً في مناطق سيطرة الجماعة، بينهم شخصيات لعبت دوراً محورياً في توسعها، وبأساليب مختلفة من بينها الدفع بالشخصيات إلى جبهات القتال، والاغتيالات المباشرة، وافتعال المواجهات المسلحة، أو توظيف الخلافات الصغيرة، ومن ثم تقييد الجرائم ضد مجهول، أو إضفاء طابع الثأر عليها.
لا يميز الحوثة، بين حلفائهم المخلصين وخصومهم الواضحين، كلهم ماداموا يمنيين خصوماً محتملين إما في الحاضر أو المستقبل ولذلك لا بد التخلص منهم بسياسة فائقة الذكاء. دُفع عدد من المشايخ الموالين للجماعة، إلى جبهات القتال ثم قُتلوا وتركوا آثاراً تثير الشكوك، مثل الشيخ القبلي مجاهد عزيز الحيدري في جبهة البيضاء، والشيخ مطهر منصور أحمد صدام في تعز، رغم استقطاب الجماعة لوالده مبكراً، عُرف عن الابن معارضته للجماعة في أول الأمر، وبالتالي لم يكن الحوثة يثقون به، وغيرهم كثير.
وبعيداً عن الجبهات، قُتل الشيخ سلطان الوروري، الذي عُرف بدوره البارز في إسقاط محافظة عمران بيد الجماعة. في العام نفسه قُتل ما لا يقل عن 12 شيخاً قبلياً، بينهم شخصيات قبلية قتلها الحوثة باشتباكات مباشرة، رغم أنهم كانوا في صفوف الجماعة. ومن تلك الوقائع مقتل مجاهد قشيرة إثر اتهامه بارتكاب جرائم حرابة، وأظهر مقطع فيديو عناصر حوثية وهي تسحب جثمانه على الأرض وترفع الشعار نفسه الذي رفعه قشيرة من قبل: الموت لـ...إلخ.
وامتدت عمليات التصفية إلى شخصيات موالية للجماعة نتيجة صراعات على الوظيفة، فقد قُتل زيد جزيلان البرطي على يد المشرف الحوثي المكنى "أبو عماد" في مديرية الحشاء بمحافظة الضالع إثر خلاف على منصب مدير المديرية، كما قُتل إسماعيل سفيان، وكيل محافظة إب المعيّن من قبل الجماعة، بعد خلافات مع قيادات حوثية، ولقي الشيخ جلال محسن منصور المصير ذاته عقب نزاع مع قيادات قدمت من محافظة صعدة، ما يعني أن التصفية عند الحوثة أصبحت أداة لإدارة الخلافات الداخلية، وليس فقط لمواجهة الخصوم.
وطالت جرائم التصفية مشايخ لم يكونوا طرفاً في نزاعات سياسية مباشرة مع الحوثيين، أو يزاحمونهم في المناصب، مثل الجريمة التي حدثت في فبراير 2018، والتي أسفرت عن مقتل الشيخ القبلي مسعد محمد المعزبي مع امرأة من أسرته، وأصيب آخرون برصاص القيادي الحوثي المكنى "أبو ذياب" داخل مقر إدارة أمن منطقة ربابة. وفي أكتوبر 2019، داهمت قوة حوثية قرية المعزية بمنطقة العود في محافظة إب، واعتقلت الشيخ أحمد مصلح الحضرمي، قبل أن تقتاده على متن طقم عسكري وتقوم بتصفيته خارج القرية.
القائمة تحظى بعشرات المشايخ والوجاهات الاجتماعية التي جرى تصفيتها في مناطق الحوثة على امتداد أكثر من عشر سنوات، مشايخ بمختلف توجهاتهم وحجم تأثيرهم، واختلاف مواقفهم من الجماعة.
ولو بحثنا عن جرائم التصفية، خلال العام الجاري 2026، لوجدنا أن سياسة استهداف البنية القبلية مستمرة، وحصلنا على الأقل على قائمة مكون من 12 شيخاً قبلياً جرى تصفيتهم، ومن بينهم الشيخ ناصر بن حسن الصلاحي الذي قتلته نقطة حوثية في محافظة الجوف بعد احتجازه، والشيخ يحيى أحمد الصريمي، أحد وجهاء قبيلة عذر في عمران، الذي اغتيل على يد نقطة حوثية بعد نجاحه في حل نزاع على قطعة أرض كان أحد أطرافه قيادياً أمنياً حوثياً.
وفي محافظة إب، قُتل الشيخ عبده صالح الغماري داخل المسجد المجاور لمنزله أثناء أدائه صلاة الفجر، بعدما أطلق عليه مسلحون حوثيون النار، وكان معروفاً برفضه تجنيد أبناء منطقته والزج بهم في جبهات القتال، بينما بررت سلطات الجماعة الجريمة بأنها مرتبطة بقضية ثأر.
وشملت قائمة القتل أيضاً الشيخ حزام العجي المنصوري الذي قُتل داخل مسجد قرية الذراع بمديرية الشرية في محافظة البيضاء، والشيخ جبران حزام ظفران هراش ونجله الطفل نصر في محافظة عمران، وكذلك الشيخ علي بن حسين الحازمي، أحد مشايخ قبيلة دهم، والشيخ محمد حسين الحبيشي الذي عُثر عليه مقتولاً داخل سيارته في سنحان، والشيخ محمد حسين المسعودي، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام بمحافظة البيضاء، والشيخ فارس محسن ربيد، أحد مشايخ قبيلة نهم، والشيخ عمار أحمد حرشان الذي قُتل برصاص مسلحين تابعين للجماعة في مديرية حرف سفيان، والشيخ الرصاص البكري، أحد مشايخ قبيلة آل الرصاص في البيضاء، والشيخ قاسم صالح الرميم، أحد وجهاء قبيلة السهمان في خولان بمحافظة صنعاء، الذي قُتل مع امرأتين إثر هجوم مسلح نُسب إلى خلاف بين أسرتين.
تكرار هذه الجرائم، واتساع رقعتها الجغرافية، تنبي باستمرار السياسة الحوثية الساعية للقضاء على الولاءات الاجتماعية داخل القبيلة، بأساليب استهداف مختلفة، مثل الاغتيالات المباشرة أو افتعال المواجهات المسلحة، أو تجنيد مسلحين لاستهداف هذه الشخصيات، قبل إضفاء غطاء على تلك الجرائم، بتصويرها على أنها قضايا ثأر، أو نزاعات شخصية، أو بتقييدها ضد مجهول، وبهذا، تتحول التصفية إلى أداة دائمة لإعادة تشكيل الخارطة القبلية بما يضمن احتكار الحوثة للنفوذ وإخضاع المجتمع اليمني لسلطة قائمة على الخوف والولاء المطلق.
يمن شباب نت

