اخبار هامة

الرفض الشعبي للحوثيين في محافظة إب.. صمود مجتمعي وتجدد مستمر لأدوات المقاومة

الرفض الشعبي للحوثيين في محافظة إب.. صمود مجتمعي وتجدد مستمر لأدوات المقاومة

اب بوست-متابعات

منذ أن دخلت مليشيا الحوثي محافظة إب في أكتوبر 2014، لم تكن سيطرتها على المحافظة تعني أنها نجحت في كسب المجتمع هناك أو تحويله إلى حاضنة لمشروعها السياسي والفكري، فبين السيطرة العسكرية والقبول الشعبي مسافة واسعة، وبين فرض الأمر الواقع وبين امتلاك الشرعية الاجتماعية فارق لا تستطيع نقاط التفتيش والسجون والملاحقات الأمنية إلغاؤه.


فقد كانت محافظة إب واحدة من المحافظات التي حاول الحوثيون إخضاعها سريعًا بعد سقوط محافظة صنعاء، غير أن الطريق إلى السيطرة لم يكن خاليًا من المقاومة والرفض، ففي الأيام الأولى نفسها برزت مواقف قبلية وحزبية وشعبية رافضة لدخول المليشيا محافظة إب، ثم اندلعت مواجهات بين أبناء المحافظة ومليشيا الحوثي وحلفائها، في مشهد كشف مبكرًا أن المجتمع المحلي لم يكن مستعدًا لتسليم المحافظة طوعًا لمشروع المليشيا.


غير أن رفض أبناء المحافظة للحوثيين لم يتم التعامل معه من قِبل المليشيا باعتباره موقفًا سياسيًا طبيعيًا يمكن احتواؤه بالحوار، وإنما اتجهت إلى مواجهة مسلحة، وبناء منظومة أمنية وعسكرية واسعة، وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة والمجال العام.


ومع مرور السنوات بدا أن المليشيا استطاعت السيطرة على الشوارع والمؤسسات، لكنها لم تستطع بالقدر نفسه السيطرة على قناعات الناس.


ومن هنا بدأت ظاهرة أكثر أهمية متمثلة في الرفض الذي يتغير شكله ولا يختفي، فحين أصبح الاحتجاج المباشر مكلفًا، ظهرت مواقف فردية واجتماعية، وحين اتسعت الضغوط المعيشية ظهرت الاحتجاجات المطلبية، وحين حاول الحوثيون فرض خطابهم الديني والسياسي على المجتمع ظهرت أشكال من المقاومة الاجتماعية.


الرفض يبدأ من الشارع


لم يكن دخول الحوثيين إلى إب في البداية مصحوبًا بقبول شعبي، بل جاء في سياق توسع عسكري أعقب سيطرة المليشيا على صنعاء في سبتمبر من العام نفسه. وفي أكتوبر 2014 دخل المسلحون الحوثيون مدينة إب، وانتشروا في شوارعها وأقاموا نقاطًا أمنية، فيما بدأت المليشيا خلال الأيام التالية بفرض حضورها على مؤسسات الدولة والمرافق العامة.


غير أن الانتقال السريع من السيطرة العسكرية إلى محاولة فرض سلطة سياسية واجه اعتراضًا مبكرًا، فقد خرج ناشطون في وقفة أمام مقر المحافظة، مطالبين بخروج المليشيا من إب ورافضين انتشار نقاط التفتيش التابعة لها، وبعد أيام فقط نظم موظفو إذاعة إب الحكومية وقفة احتجاجية على خلفية سيطرة الحوثيين على مبنى الإذاعة وتعرضه للقصف، مطالبين بإخلائه من المسلحين والحفاظ على استقلال المؤسسة الإعلامية.


ولم يقتصر الاعتراض على الوقفات المدنية فقط، ففي تلك الفترة شهدت المحافظة تحركات قبلية ومواجهات مسلحة مع الحوثيين، كتلك التي شهدتها العدين والرضمة وبعدان وغيرها من المديريات، في مؤشر على أن المليشيا لم تتمكن من إخضاع المحافظة سياسيًا بمجرد دخولها عسكريًا.


ومع بداية عام 2015 أخذ الرفض طابعًا أكثر تنظيمًا، خصوصًا مع ظهور «حركة رفض» التي دعت إلى فعاليات احتجاجية ضد سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة.


ففي مطلع العام 2015 دعت الحركة إلى التظاهر، ثم شهدت المدينة خلال الأيام التالية فعاليات ومسيرات رافضة للمليشيا، كما خرجت حشود في مدينة إب احتجاجًا على سيطرة الحوثيين، رافعة شعارات تطالب بالدولة وترفض ما اعتبره المشاركون انقلابًا على مؤسساتها.


كان الرد الحوثي على تلك التحركات والفعاليات سريعًا، ففي فبراير 2015 اعتقلت المليشيا أحمد هزاع، أحد مؤسسي حركة رفض في المحافظة، بعد الاعتداء عليه، في وقت كانت تتسع فيه ملاحقة الناشطين المشاركين في الاحتجاجات، وبذلك بدأت المعادلة التي ستطبع السنوات التالية في التشكل مبكرًا، وكلما ارتفع صوت الاحتجاج لجأت المليشيا إلى الاعتقال والتضييق، وكلما اتسعت قبضتها الأمنية تراجعت قدرة الشارع على الاحتجاج المفتوح، ومع ذلك لم تؤدِ تلك الإجراءات إلى إنهاء حالة الاعتراض. فقد أغلقت المليشيا مساحة الاحتجاج السياسي العلني، لكنها لم تستطع إزالة أسباب الرفض التي نشأت مع سيطرتها على المحافظة.


من السياسة إلى الحياة اليومية


ومع مرور الوقت أصبحت المظاهرات السياسية الواسعة أكثر صعوبة، نتيجة الاعتقالات والملاحقات وتشديد الرقابة على النشاط العام، ولذلك لم يعد الرفض يظهر دائمًا في صورة هتافات ضد الحوثيين أو مسيرات تطالب بخروجهم، وإنما بدأ يتخذ شكلًا أكثر ارتباطًا بحياة الناس اليومية.


ففي مارس 2019، خرجت أمهات المختطفين في إب في وقفة للمطالبة بالإفراج عن أبنائهن، والتنديد بالممارسات التي تعرض لها المعتقلون وأسرهم، وكانت الوقفة تعبيرًا مدنيًا عن قضية أفرزتها سلطة المليشيا نفسها، وأظهرت أن الاعتقالات لم تبقَ داخل السجون، وإنما خلقت دائرة أوسع من المتضررين داخل المجتمع.


وفي العام التالي انتقل الاحتجاج إلى جامعة إب في فصل جديد من الاحتجاجات، ففي أغسطس 2020 نظم طلاب كلية الطب بجامعة إب وقفة احتجاجية للمطالبة باستئناف الدراسة وتحسين أوضاع العملية التعليمية، بعد تعطل الدراسة وتدهور الخدمات الأكاديمية.


وعلى الرغم من الطابع المطلبي المباشر للاحتجاج، فإن أهمية هذه الوقائع تكمن في أنها أظهرت أن الاحتكاك بين المجتمع وسلطة الحوثيين لم يعد محصورًا في النشاط السياسي وإنما أصبح حاضرًا في المؤسسات التي يتعامل معها المواطن يوميًا.


وفي أغسطس 2021، اتخذ الاحتجاج شكلًا أكثر مباشرة عندما أغلق محتجون طريق نقيل سمارة، أحد أهم الطرق الرابطة بين إب وصنعاء، اعتراضًا على عدم الاستجابة لمناشدات إنقاذ سائق شاحنة ظل عالقًا تحت مركبته لأكثر من ثلاثين ساعة.


لم يبدأ الاحتجاج بشعار سياسي، لكنه انتهى إلى مواجهة مع سلطة الأمر الواقع بعدما رأى المحتجون أن السلطة لم تستجب لمطلب إنساني وخدمي واضح.


هذه الوقائع المتباعدة زمنيًا تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة الرفض، فقد أصبح المواطن يواجه سلطة الحوثيين من خلال تفاصيل حياته، ومع كل واقعة كانت تتوسع دائرة من لديهم أسباب مباشرة للاعتراض على طريقة إدارة المليشيا للمحافظة، وبذلك لم يعد الرفض بحاجة إلى تنظيم سياسي حتى يظهر، فالمطالب الاجتماعية والخدمية نفسها أصبحت تنتج احتكاكًا متكررًا مع السلطة، خصوصًا في ظل اعتماد المليشيا على منظومة أمنية وإدارية تفرض قراراتها بالقوة وتتعامل مع كثير من الاعتراضات باعتبارها تحديًا سياسيًا.


محاولات إخضاع بائسة


وفي العام 2022 اتخذ الرفض المجتمعي في إب مسارًا جديدًا، بعدما دخلت سياسات المليشيا في صدام مباشر مع ممارسات اجتماعية ودينية مستقرة.


فمع بداية شهر رمضان من العام ذاته شهدت مديرية القفر توترًا على خلفية تعليمات حوثية تتعلق بتأخير أذان المغرب، ووفق مصادر محلية رفض عدد من الأئمة والمؤذنين الالتزام بالتوقيت الذي فرضته المليشيا، فقامت عناصر حوثية باختطاف عدد منهم، ولم يقتصر الأمر على القفر وحدها، فقد ظهرت اعتراضات مماثلة في عدد من المساجد.


كان الخلاف في ظاهره متعلقًا بتوقيت الأذان، لكنه بالنسبة للسكان تجاوز مسألة الدقائق إلى رفض تدخل السلطة المسلحة في شعائر دينية اعتادها المجتمع، وبذلك تحول المسجد وهو أحد أكثر الأماكن حساسية اجتماعيًا إلى مساحة أخرى للاحتكاك بين المليشيا والمجتمع.


وفي أواخر العام نفسه ظهر الاعتراض في مؤسسات الدولة، فقد أثارت «مدونة السلوك الوظيفي» التي فرضها الحوثيون اعتراضات في أوساط موظفين، بسبب ما تضمنته من اشتراطات وتوجهات اعتبرها معارضون محاولة لإخضاع الوظيفة العامة للمنظومة الفكرية والسياسية للمليشيا.


وبين قضية الأذان ومدونة السلوك، ظهرت صورة أوسع لسياسة الحوثيين في إب، فلم تعد المليشيا تكتفي بإدارة المؤسسات، وإنما حاولت إعادة صياغة المجال العام وفق رؤيتها. وفي المقابل، كان الرفض يتشكل داخل المجتمع من تفاصيل قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها تصبح ذات معنى سياسي عندما تتكرر، فقد أصبح الاعتراض على توقيت الأذان، أو على شروط الوظيفة، أو على إدارة الجامعة، جزءًا من صراع أكبر حول حدود السلطة التي تريد المليشيا ممارستها على المجتمع.


ومع نهاية 2022، كان هذا الاحتقان قد تراكم في بيئة اجتماعية تعاني أصلًا من آثار الحرب والفقر وتدهور الخدمات والجبايات، لذلك لم يكن ينقصه سوى حادثة قادرة على إخراجه من مساحاته المتفرقة إلى الشارع بصورة واسعة.


احتقان متراكم


في مارس 2023 توفي الشاب حمدي عبد الرزاق، المعروف بـ«المكحل»، تحت التعذيب داخل سجون الحوثيين في مدينة إب، بعد أن كان قد عُرف بانتقاداته عبر مواقع التواصل الاجتماعي لممارسات المليشيا الحوثية، فلم يتعامل أبناء المدينة مع وفاته باعتبارها حادثة جنائية أو قضية معتقل فحسب، فعند تشييع جثمانه تحولت الجنازة إلى واحدة من أكبر مظاهر الاحتجاج الشعبي التي شهدتها إب منذ سيطرة الحوثيين.


فقد خرجت حشود كبيرة إلى الشوارع، وارتفعت الهتافات المناهضة للمليشيا، وتحولت الجنازة إلى تظاهرة سياسية عفوية، حيث كان حجم المشاركة وطبيعة الهتافات أهم ما في المشهد، إذ لم تكن الفعالية محصورة في ناشطين معروفين أو إطار سياسي محدد، وإنما شارك فيها مواطنون وجدوا في الحادثة فرصة للتعبير عن غضب متراكم.


ولم تكن أهمية تلك اللحظة في حادثة المكحل وحدها، بل في كونها كشفت ما كان قد اختفى خلف سنوات من القمع، فالمظاهرات التي خرجت بعد وفاته أظهرت أن تراجع الاحتجاج خلال السنوات السابقة لم يكن بالضرورة نتيجة تغير مواقف المجتمع، وإنما نتيجة ارتفاع كلفة التعبير عنها.


ولم تتوقف آثار الحادثة عند الجنازة فحسب، فقد أصبح اسم المكحل ورمزه حاضرًا في المدينة، وتحول إلى شخصية يستعيدها المعارضون كلما أرادوا التعبير عن رفضهم للمليشيا.


وبعد أشهر فقط وتحديدا في سبتمبر 2023، خرج شبان في مدينة إب في مسيرات ليلية احتفالًا بذكرى ثورة 26 سبتمبر، حاملين الأعلام الجمهورية ومرددين الأغاني الوطنية، فيما شهدت مناطق أخرى من المحافظة مظاهر مماثلة، كان توقيت هذه الفعاليات مهمًا، فقد جاءت بعد أشهر من حادثة المكحل، وفي ظل تشدد حوثي متزايد تجاه الاحتفال بالمناسبة الوطنية، ولذلك تحولت مظاهر الاحتفال إلى تعبير سياسي عن التمسك بالهوية الجمهورية في مواجهة مشروع المليشيا الطائفي، وبذلك لم يعد الرفض في إب مجرد رد فعل على حادثة أو قرار، فقد بدأت تتشكل له رموزه وذاكرته وشعاراته، وأصبح الشهداء و26 سبتمبر جزءًا من خطاب احتجاجي جديد، ستنتقل مظاهره من الشارع إلى الفضاء العام.


جدران تستعيد الذاكرة


بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها إب خلال 2023، شددت المليشيا إجراءاتها الأمنية، وأصبحت العودة إلى الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة أكثر صعوبة، غير أن ذلك لم ينهِ حالة الرفض، وإنما دفعها إلى شكل آخر أكثر رمزية وأقل كلفة نسبيًا.


ففي يناير 2024، ظهرت صور المكحل على جدران وشوارع المدينة القديمة في إب، في خطوة حملت رسالة واضحة بأن القضية لم تنتهِ بوفاته، وسارعت المليشيا إلى إزالة الصور وملاحقة من يقف وراءها، كما ظهرت خلال الفترة نفسها حالات لطمس وتمزيق شعارات وصور ولافتات حوثية في عدد من أحياء المدينة.


وأصبح الصراع على الجدران امتدادًا للصراع الذي خرج إلى الشارع في العام السابق، فالمليشيا حاولت تثبيت رموزها في الفضاء العام، بينما كان معارضوها يسعون إلى إزالة تلك الرموز أو استبدالها برسائل تعكس موقفهم.


وفي مارس 2025، تكررت الظاهرة مع عودة صور المكحل إلى عدد من جدران وشوارع المدينة القديمة، وكما حدث في العام السابق، سارعت المليشيا إلى إزالة الصور وتشديد الرقابة على كل من يقومون بتعليقها ولصقها.


كان تكرار المشهد أكثر أهمية من ظهوره الأول، لأنه أظهر أن إزالة الرمز لم تؤدِ إلى اختفائه، وأن القضية تحولت إلى ذاكرة اجتماعية يعاد إنتاجها من وقت لآخر. ففي الوقت نفسه كانت مظاهر الرفض تتخذ مسارًا آخر في الأسواق، فقد تصاعدت شكاوى التجار وأصحاب الأنشطة التجارية من الجبايات التي تفرضها المليشيا، وهو ما نقل الاحتجاج تدريجيًا من المجال الرمزي إلى المجال الاقتصادي، وهنا بدأ مسار جديد يتشكل، فبعد أن كان المكحل يمثل رمزًا للاعتراض السياسي، أصبحت الجبايات تمثل سببًا مباشرًا للاحتكاك اليومي بين المليشيا وقطاعات أوسع من المجتمع.


ثبات الرفض وتغير أدواته


وتؤكد هذه التحولات الممتدة لأكثر من عقد حقيقة رئيسية مفادها أن السيطرة العسكرية والأمنية لا تعني إطلاقًا امتلاك المشروعية الاجتماعية أو ضمان التبعية، فقد استطاعت المليشيا تقييد المجال العام، وتجريف العمل السياسي المنظم بالقوة المفرطة، لكنها فشلت في استيعاب المجتمع أو تغيير قناعاته.


وعلى مدار السنوات الماضية أثبت المجتمع المحلي قدرة عالية على التكيف وبناء أدواته الخاصة للرفض، حيث انتقلت المقاومة من الشارع السياسي والمظاهرات إلى المؤسسة والجامعة والمسجد، ثم تبلورت في رموز وذاكرة جمهورية شعبية (كمشهد تشييع المكحل وإحياء ثورة 26 سبتمبر)، وصولاً إلى المقاومة الاقتصادية اليومية ضد سياسات الجبايات والإفقار.


ويوضح مسار الأحداث في محافظة إب أن حالة الرفض المجتمعي ليست مجرد ردود أفعال عابرة، بل هي حالة تراكمية مستمرة تغيّر جلدها وشكلها كلما اشتد القمع، وتستعيد حضورها مع كل محاولة لفرض النموذج الحوثي.


وفي المحصلة، تظل محافظة إب بيئة قائمة على الاحتقان الكامن، قابلة للاشتعال في أي لحظة، لتظل الفجوة بين السلطة القائمة باعتبارها أمرًا واقعًا والمجتمع الرافض لها عميقة وغير قابلة للردم بالوسائل الأمنية.

 

الإصلاح نت
 

قد يعجبك ايضا!