اخبار هامة

مكة في خطاب الحوثي الأخير

مكة في خطاب الحوثي الأخير

سلمان الحميدي-إب بوست

أثناء نفيه استهداف مكة المكرمة، أكّد زعيم الحوثيين أنه الأجدر بالتحكم بأقدس المقدسات!


قبل أيام، وتحديدًا ليلة الحادي والعشرين من سبتمبر، خرج عبده الحوثي/عبدالملك الحوثي، بخطاب طويل كعادته، ومكرر، وباعث للملل والغثيان، للحديث عن ذكرى نكبة 21 سبتمبر ـ يوم اقتحام صنعاء سنة 2014 واستيلاء الحوثة على مؤسسات الدولة ـ لكن عبده الحوثي ـ وكعادته ـ استخدم الخطاب للتعليق على الأحداث الراهنة، وتكريس شخصيته المقدسة في أذهان أتباعه، ومحاولة استمالة اليمنيين بتذكيرهم بتاريخهم التليد، وكرامتهم المحروسة، وشجاعتهم الباسلة في الحروب، وإن كانوا أسرى لشظف الحياة ومعاناة الظروف.


هذه الثيمة الأساسية لكل خطابات الحوثي، ومحاضراته ودروسه، وملازمه وشذراته. وأي تفاصيل جديدة وأحداث ضاجة في الواقع الراهن، يوظفها عبده الحوثي لخدمة الهدف الأساسي: إقناع الآخرين بشخصيته المقدسة، وإجراءاته المدمرة، وشحنهم لتقديم أرواحهم وقودًا لمشروعه العابر للجغرافيا والمنطق!


ترسيخ قداسة الشخص في أذهان أتباعه يتحقق من خلال تمرير الأفكار الخاطئة وتكريس التصورات المغلوطة في رؤوس المخدوعين. التعديل في السلوك يبدأ من التأثير في الأفكار. المتلقي الذي يتعرض لرسائل متكررة ومضمون مكثف باتجاه معين، سرعان ما يجد نفسه منساقًا من صاحب الرسالة. في نظريات الإعلام، تُقاس الاستجابة والتأثير بطبيعة المتلقي، ووعيه، وظروفه، ومدى تقبله للخطاب الموجه إليه.


الحوثي يدور حول فكرة واحدة.. وحتى في خطابه الواحد الممل من طوله ومضمونه، يقوم على التكرار.. ما يقوله في الساعتين هو نفسه ما يمكن قوله في أقل من دقيقة..


لم يتوقف عن استخدام كليشيهات مثل "العدوان السعودي"، واتهام اليمنيين بـ"العمالة" و"الخيانة" و"التآمر مع الصهيوأمريكي"، وأنهم "خلايا ارتزاق مع الأعداء". يستدعي الحوثي كل شيء يمكن توظيفه في مشروعه، وفي الغالب يعكس معايبه على اليمنيين ويتهمهم بها، أو يقول الأشياء معكوسة، كأن يتحدث عن قصف المنازل، وقتل الأطفال، وانتهاك المقدسات.


منذ أكتوبر 2023، وجد الحوثي مدخلًا جديدًا لاستقطاب "بعض أعضاء الجمهور الخارجي"، وضمهم إلى قائمة مشجعيه المنتمين للعالم، وتحديدًا الأمتين العربية والإسلامية، ولذلك كثّف من ترديد مناصرة الأمة، والقضية الفلسطينية، واستخدام مآسي غزة لغسل جرائمه في تعز، على سبيل المثال.


منتصف سبتمبر الجاري، أعلنت المملكة العربية السعودية عن محاولات لاستهداف منطقة مكة المكرمة بالصواريخ والطيران المسيّر، ما أثار الرأي العام العربي والإسلامي، شعوبًا وحكومات.


في الخطاب الطويل المشار إليه، ليلة نكبة 21 سبتمبر، توقف عبده الحوثي ليصف الحديث عن تهديد مكة بأنه "بهتان عظيم"، مرددًا اللفظة ومشتقاتها ما لا يقل عن عشر مرات، كأنه يحاول بتكرارها أن يبني حقيقةً بديلة لإقناع المخدوعين من الجماهير في العالمين العربي والإسلامي بأنه بطل الأمة المنتظر، ويحافظ على مكاسبه عند من يرون فيه بطل العالم، والذين مالوا إليه تأثرًا من موقفه الاستغلالي لقضية الأمة الأولى: القضية الفلسطينية، ونصرته الصابونية لغزة، لينخدع بذلك بعض المغيبين عن حقيقة الحوثي وجرائمه داخل اليمن.


في سياق الحديث عن مكة، استخدم الحوثي كلمات وألفاظًا تشعر بأنه يصف بها نفسه، مثل: "البشع، الفظيع، الدنيء، الساقط"، ثم انزلق بسلاسة إلى اتهام السعوديين بارتكاب إبادة جماعية في السعودية، ومكة تحديدًا، وأن السعوديين احتلوا المدن السعودية والمشاعر المقدسة! داعيًا الشعوب إلى الاطلاع على مجزرة تنومة، التي وقعت في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي المجزرة التي تسبب بها الإمام يحيى، من نفس فكرة الحوثي وسلالته وتوجهه.


لم يتوقف الحوثي عن الحديث حول مكة ومهاجمة الآخرين ليطمئن الرأي العام العربي والإسلامي بأنه لم يستهدف المشاعر المقدسة، ولن يستهدف مكة مطلقًا. من امتلك قليلًا من الصبر، سيجد نفسه في موقف مضحك من التركيب المتناقض للخطاب نفسه، وفي المقطع نفسه المكرس للحديث عن مكة.


كان من الواضح أن الحوثي يوجه خطابه للجمهور العربي والإسلامي، أو على الأقل، كان الخطاب مقسمًا إلى مقاطع موجهة بعناية للمستهدفين دون تداخل. لكنه أثناء حديثه إلى الجمهور الخارجي حول مكة ونفيه استهداف المقدسات، خشي أن يصدقه أتباعه المحليون، لذلك سرعان ما نسي الجمهور الخارجي، وعاد ليشحن الأتباع داخل البلاد، والتأكيد بأنه الأولى "بالدفاع عن مكة"، بنسج عجيب شابك فيه بين كسوة الكعبة، وجيفري إبستين والطقوس الشيطانية، والكفر، والدعارة، والترفيه، قبل أن ينصب نفسه، بثقة لا تخفيها سخرية الموقف، بأنه صاحب الحق في الولاية على مكة والمدينة!


استدل الحوثي بمنطقه هذا بالآية الكريمة: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}. وبما أنه ألقى بجرائمه كلها على الآخرين، محليًا وخارجيًا، فهو المتقي الأوحد كما يظن، بينما الآخرون مجموعات معزولة أو مترابطة من الفجار الكفرة.


وبعد تكرار طويل مستفز، علّق عبده الحوثي حول المقدسات الإسلامية واستهدافها، بعبارات تكاد تكون مضحكة في عبثيتها: "لا يمكن التغاضي عنه ـ أي ما وصفه ببهتان استهداف مكة ـ حتى في المستقبل"، "نحن نتمسك بحقنا الشرعي والقانوني تجاه هذا البهتان"، "تجاه كل الذين تبنوا هذا البهتان".


هذا الجزء المكرر من خطابه المتناقض يكشف جوهر مشروعه، ويبين للمخدوعين أن نواياه تجاه الكعبة أفظع من الجريمة التي نفاها أصلًا، فالطاغية المعتوه عاجز عن استقبال ضيف في منزله، وتنظيف أرضيته أمام وافد من شلته مثل حسين الأملحي، فكيف باستقبال ضيوف الرحمن الوافدين إلى بيت الله الحرام من كل فج.


ومن رحمة الله بالمسلمين، أن نوايا العصابات والمجرمين والطامحين إلى إحداث الفتنة في بيت الله الحرام، محكومة بالاستحالة والانتكاس. فالبلد الآمن لن تطاله مخاوف التهديدات الصاروخية.. فهي أرض الله، وبيت الله، وهي دعوات الأنبياء.. وقبلة الأولياء.. وهي المملكة العربية السعودية، وحكامها خدام الحرمين الشريفين. وهي بغنى عن المقالات والدراسات واستراتيجيات الدفاع.. وما ورد هنا ليس سوى توضيح عابر للمخدوعين بالحوثي من خلال تفكيك جزء صغير من خطابه الأخير.


يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!