أحمد اليفرسي-خاص
ليس تأخر النصر دليلًا على غياب عناية الله، ولا امتداد الطريق وصعوبتها برهانًا على أن الغاية قد ابتعدت فلربما يصنع الله بوجع الطريق في النفوس ما هو أعظم من بلوغها آخر الطريق. ولربما حجب عنها ثمرةً عاجلة، ليهبها أهليةً باقية لحمل الثمرة حين تنضج، فإن من الناس من يحسن طلب النصر، ولا يحسن حمل أمانته إذا نزل.
وإن للنصر أثقالًا كما أن للهزيمة أثقالًا؛ غير أن أثقال الهزيمة تُرى في الجراح، وأثقال النصر تختبئ في النفوس
قد تهزم المحنةُ ضعف الإنسان فيعرف موضعه من نفسه، وقد يهزمه النصر فيظن أن ما ناله كان بحوله، وأن ما فُتح له إنما فُتح بذكائه وقوته وحسن تدبيره، فيغتر ويظلم ويسقط في وهدات الاستعلاء الذي جاهد ليخلص منه الشعب، ومن هنا كان بعض التأخير رحمة، وبعض العسر تربية، وبعض الانكسار بناءً لا نعرف حكمته إلا بعد أن نعبره.
وما كل طريق قصير خيرًا، ولا كل نصر سريع بركة، فإن النصر الذي ياتي قبل اكتمال شروطه ويتربى رجاله بالملمات والتجارب والصعاب والانكسارات، قد يفتح أبوابًا لا يقدرون على إغلاقها ويضع في أيديهم من القوة أكثر مما في نفوسهم من الحكمة، ويكشف من ضعفهم بعد التمكين ما كان ينبغي أن يُكشف قبل التمكين فكم من جماعة أحسنت الصبر في الشدة، فلما أقبلت الدنيا عليها لم تحسن الصبر عليها، فعاثت فسادًا وظلمًا وطغيانًا.
لهذا يجيء التمحيص قبل التمكين لتستبين المعادن، وتسقط الأقنعة، وتنكشف مواطن الوهن، ويعرف الصادق من المتردد، وراكب الموجة المتخاذل المتساقط من والمهتبل كل فرصة ليلتقط الأخطاء والشائعات ليسود بها وجوه المناضلين والمجاهدين في الميدان، ويستبين صاحب المبدأ من صاحب الغرض، ومن يحمل القضية لأنها حق، ممن يحملها ما دامت توصله إلى نصيبه منها، ولولا طول الطريق لظل كثير من الخلل مستورًا، ولدخل الناس ساعة النصر بعلل الهزيمة نفسها ولأودى بحلاوة النصر قعر المرارة ذاتها.
إن الله يبتلي ليطهّر، ويؤخر ليهيئ ويمنع ليعطي على وجه أكمل وصورة أكثر إشراقًا واكمل ثمرة وقد قال سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فالتمحيص ليس هزيمة هنا أو هناك أو نكسة يتعرض لها المجاهدون بل هي قانون سببي ضمن منظومة من سنن الباري سبحانه، لأن التمكين الكبير يحتاج نفوسًا أكبر من مغريات السلطة، وأصلب من مخاوف الطريق، وأبعد نظرًا من فرحة اللحظة..
وحين تطول الأيام، تضيق العين البشرية بما ترى، أما المؤمن فيقرأ وراء المشهد مشيئةً لا يحيط بها بصره.
يرى المؤمن المبتلى بالمصيبة والنكسة أو غيرها من بنيات الطريق/ يرى/ الباب موصدًا، ولا يدري أي فساد صرفه الله عنه بإيصاده وإغلاقه بوجهه ويرى الأمر متعسرًا، ولا يدري أي رجال يصنعهم العسر وأي جواهر بشرية وأرواح عظيمة حجبها الرخاء وأظهرها العسر والمحنة، ويرى الصف يتناقص ويتساقط بعض رواده ولا يدري أن الله ربما كان ينقيه بالشدّة ليقوى، وإن بقي على حاله دون محنة لربما زال من أساسه.
وسؤالنا المتعجِّل: لماذا تأخر النصر؟ كان الأصل أن نستبدله بسؤال: ما الذي لم يكتمل فينا بعد؟ أي خلل يريد الله أن نراه؟ وأي تعلق يريد أن يقطعه؟ وأي صف يريد أن ينقيه؟ وأي رجال وقادة يريد الله سبحانه أن تصنعهم هذه الشدة؟
المصابرة تعني أن تُصلح وأنت تنتظر، وتبني وأنت تتألم، وتراجع خطأك دون أن تفقد ثقتك، وتتعلم من العثرة وتحولها إلى بشرى للأمل.
أسوة برسول الله الذي كان محاصرًا بالمدينة في غزوة الخندق وكان الصحابة لا يأمنون أن يخرجوا لقضاء الحاجة من شدة الخوف والفزع، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم الصخرة في الخندق وقال: الله أكبر فتحت المدائن.. الله أكبر فتحت الشام، الله أكبر فتحت قصور صنعاء ذلك هو الصبر الذي يصنع الفتح المبين صبر لا يخدر الإرادة بل يشحذها، ولا يستر العيوب، بل يكشفها ويعالجها..
إن فوق هذا العالم ربًا يدبر الأمر، والأصل أن نبحث عن بجد عن مكامن الخلل لا أن نلوذ بالهلع والعجلة والاستعجال والتذمّر من تأخّر النصر..
سيأتي النصر في وقته لا حين تستعجله عيوننا ليس لأننا لا نريد نصرًا ولا نشتاق له بل لأننا نثق بتدبير الله وحكمته وحسن بنائه وتصريفه للأمور والأقدار..
فاثبتوا فما كل تأخير حرمان ورب ليل طال لأن الفجر الذي وراءه جدير بأن يولد له رجال غير الذين دخلوا الليل وخاضوا غماره ونازلوا شياطينه..
إنما النصر صبر ساعة... وقد تكون الساعة زمنًا يقاس بالأشهر والسنوات.. ولكننا أدوات القدر يفعل بنا الله ما يشاء نثق بحكمته وقدرته وغلبته وصدق وعده.. وإن العاقبة لأوليائه المتقين..
*من صفحة الكاتب على فيسبوك

