صلاح الأصبحي-إب بوست
بعد أحد عشر عامًا وصل الحوثي للنتيجة ذاتها، والطريق المسدود الذي يسمى الحصار مع تعز، حشد كل ما لديه، خاض حربًا فيها بعد تجهيز دام سنوات، ولَقي مالم يلقاه في حرب أخرى من خسائر وهزائم، تغلغل في الريف بفضل استماته، وخلاياه التي استقطبها وزرعها، وكانت دليله في تلك المناطق.
ما زالت المعركة محتدمة، وخريطتها متغيرة حسب الظروف بين كر وفر، وبقائه في الريف غير مستقر حتى اللحظة، هذه المعادلات المفتوحة تصطف إلى جانب معادلة ثابتة تتمثل بكون الحصار لن يمنحه ما عجز عن أخذه بالحرب، ولن يشكل فارقًا في زحزحة صمود تعز، أو يغير من نبذها له، وإصرارها على مقاومته حتى الرمق الأخير.
تعز تقاتله وهي على وعي تام بجرائمه، تقاوم بالوعي قبل أن تقاوم بالسلاح، وحين يحمل الوعيُ السلاحَ يستعصي كسره، وإخضاعه لرغبة كهنوتي متعجرف خائن لقيم الدين والوطن والمجتمع.
ثمن الحرية مكلف، ودروبها محفوفة بالمخاطر، ولا مناص من تجرع العواقب، لكن كل ذلك هينٌ في الوعي الجمعي بالنسبة لتعز، وقد انتقت مسار الفجر لقشع وتبديد حلكة ليل الكهنوت، وكان قدرها أن تنال نصيب الأسد كشوكة عالقة في حَلق الإمامة، وتكون حجرة عثرة تعيق تفشي ظلامها آفاق الوعي والجغرافيا الحرة.
يراهن على خلخلة صلابة المدينة بقساوة الحصار، وتأثيره على تفكيك نسيج المجتمع، وتعويله على خلق انفصام بين المجتمع والسلطة والجيش كلما ازداد التأزم ضراوة، ومسَّ حياة الناس عن كثب، لكن ما لا يدركه أن المجتمع والسلطة والجيش كتلة بشرية واحدة، كل طيف منها يقاوم بطريقته.
كلُ فرد رجل أو امرأة، طفل أو بالغ، مدني أو عسكري، مثقف أو من العوام، كل يرى نفسه القائد في هذه المعركة بوتيرة واحدة متناسقة ومنسجمة، وبإجماع عصي على التفكك.
لم يعد في تعز من متخاذل أو مرجف أو مثبط أو مبشر بنعمة الطاعون القادم، فقد تمَّ تطهير المدينة من الخلايا النائمة، وتنقيح إرادتها من الآراء المتمايلة، والعبيد المستأجرين لبث الشائعات وتسويق الأكاذيب السلالية في السلم أو في الحرب حتى غدت أرضًا مثالية للتلاحم والتكاتف والعطاء الوطني.
لم يعد هناك من فزع أو رهبة أو خشية حيال ما بمقدور جرذ مران إنزاله بمدينة شامخة تتصدى له ببسالة وتقزيم لعجرفته، وثقة مطلقة بقدرتها الجبارة على إبطال طموحاته بطيها تحت إبطه النتن، كونها تجترح البطولات كبروفات يومية، وتصنع التاريخ لحظة بلحظة.
هل تدري أيها المأفون أن معظم الأطفال في حارات المدينة صنعوا منك مجالًا للتسلية في ألعابهم، يبتكرون سيناريوهات مسرحية تتعلق بمواجهتك، ويشحذون خيالاتهم لتصور معاركهم معك، أو اكتشاف جواسيسك، وتجسيد مشاهد مشابهة لما يخوضه آباؤهم في الجبهات، ليس هذا مجرد تخاطر عابر بين الحقيقة والخيال، وإنما هو وعي متأصل يتقاسمه الأب والابن.
أنت طامع في إخماد جذوة الوعي الذي تبدو عليه تعز تجاه مشروعك، وعجزت عن إغوائه بخرافاتك العنصرية، واستمالته لصالحك، كونه المهدد الأخطر الفاضح لدَجلك كمًا وكيفًا، وكلما زادت خشيتك منه زدت صلافة في تسليط نيران سخطك عليه.
سقتَ الرعاع من كل اليمن لإخراسها من خلال معركة فاصلة بطوفان بشري انتحاري، وباء حقدك نحوها بالإخفاق، وما نِلتَه مجرد فتات لا يرتقي لمستوى ما أملته من حشدك الملحمي.
ثمة أشياء جمة لم تعهده منها، كقدرتها على التكيف مع كل أساليب الضغط، وابتكار وسائل وقائية لتجاوزها، فقد عاشت ظروفًا أقسى مما تتخيل، تشبثت بالحياة الحرة القاسية ولفظت إذلال سجنك المفتوح الشائع في مناطق سيطرتك.
لا شيء أشنع من مشروعك البائس الذي يحوي كل قذرات الوجود سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا ودينيًا، فكيف لها أن تقبل دنسك المعتق وهي لم تستسغ بقاءك فيها أيامًا معدودات في 2015 عندما استلت سيف مقاومتها، وقاتلتك وجهًا لوجه، ومرغت أنفك في التراب، وتأمل منها اليوم أن تستوعبك، وقد ملأت اليمن جورًا.
قد تتعطل الحياة بالحصار نسبيًا، لكنه سيحول الكثافة السكانية الهائلة في المدينة إلى جيش جرار يقاوم غزوك ويكسر حصارك، ثمَّ يقتفي أثرك، ويطاردك في الشعاب والأودية والجبال ليس في تعز وحسب؛ بل سيبلغ زحفه كهفك في مسقط رأسك.
كل حارة في تعز قادرة على تشكيل لواء عسكري لو التحق قاطنوها بالمعركة، شباب الجامعات والمدارس والعاطلون عن العمل والموظفون وكل من يقدر على حمل السلاح.
إن ظننت أن تضييق الحصار سيجيب نتيجة إيجابية بالنسبة لك فأنت واهم، حتى اللحظة ما زال الجيش وحده يصدك بسلاحهم بإمكانياتهم البسيطة، فلا تجبر الناس كافة على قتالك، ساعتها ستدرك أنك من أرغمهم على ذلك، سيطوون صفحتك، ويضعون حدًا لغطرستك، وإن غدًا لناظره لقريب، إن بقيت إلى هذا الغد الموعود.
يمن شباب نت

