اخبار هامة

    كيف دفعت سياسات المليشيا نساء إب إلى طوابير الجوع في رمضان؟

    كيف دفعت سياسات المليشيا نساء إب إلى طوابير الجوع في رمضان؟

    اب بوست-متابعات

    في أحد شوارع مدينة إب وقبيل دقائق من موعد أذان المغرب، تتجمع عشرات النساء أمام مطعم خيري صغير في مشهد لم يكن مألوفاً في هذه المدينة التي عُرفت تاريخياً بتكافلها الاجتماعي ووفرة موائدها الرمضانية.


    يبدو المشهد صادماً لكنه يعكس مستوى تفشي الجوع بين الناس في المحافظة التي لطالما وُصفت بـ"اللواء الأخضر"، حيث تتدافع النساء للحصول على وجبة إفطار متواضعة لا تتجاوز نفراً من الأرز وربع دجاج وقليلاً من المرق.


    خلال الأيام الماضية من رمضان، طغت الصور ومقاطع الفيديو الواردة من إب على مشاهد طوابير الجياع من الجنسين في العاصمة صنعاء؛ إذ بدت شوارع مدينة إب وقد تحولت إلى طوابير انتظار، خصوصاً للنساء، فإلى جانب أولئك اللواتي يتدافعن داخل مدرسة اتخذت مطعماً خيرياً، تجلس أخريات منذ ساعات طويلة أمام محلات تجارية أو شركات صرافة بحثاً عن فاعلي الخير.


    هذه المشاهد صادمة لكثير من أبناء المحافظة الذين اعتادوا خلال شهر رمضان رؤية صورة مختلفة تماماً لمدينتهم؛ إذ كان هذا الشهر في إب موسماً للكرم والتكافل، حيث تتسابق الأسر إلى دعوة الغرباء والعاملين والطلاب إلى موائد الإفطار.


    يقول علي الثوابي، وهو من أبناء مديرية جبلة، إن إب لم تكن بهذا الشكل من قبل، خصوصاً في شهر رمضان، مضيفاً أن خروج الناس بأعداد كبيرة إلى أي مكان يُشاع أنه يوزع مساعدات أو طعام يعكس حالة تفشي الجوع، وهو أمر يجعل كثيرين يدركون أن الناس باتوا في حاجة حقيقية للمساعدة.


    وسط هذه الجموع الجائعة، تقف امرأة بدت ملامح الغضب والانكسار واضحة على وجهها وهي تروي قصتها بصوت متقطع، قائلة إنها كانت تتلقى مساعدة بسيطة من أموال الزكاة، لكنها فوجئت فجأة بإسقاط اسمها من كشوفات المستحقين دون أن تفهم السبب.


    وتضيف أنها ذهبت أكثر من مرة لمراجعة مكتب الزكاة أملاً في إعادة اسمها إلى القوائم، لكنها في كل مرة كانت تواجه برد واحد مفاده أن اسمها لم يعد موجوداً في السجلات.


    في زاوية أخرى من المكان تقف امرأة ثانية تحمل قصة لا تقل قسوة؛ إذ تقول إنها تعول عدداً من الأيتام بعد وفاة زوجها، وكانت تتلقى مساعدة شهرية مقدارها ثمانية عشر ألف ريال يمني قبل أن يتم إيقافها قبل عامين. وتضيف أنها راجعت الجهات المختصة مرات عديدة لإعادة إدراج اسمها في كشوفات المستحقين لكنها لم تحصل على أي نتيجة.


    ومن أمام أحد المتاجر، تحدثت امرأة مسنة بنبرة لا تخلو من المرارة عمّا وصفته بالمحسوبية والشللية في اختيار المستفيدين من قوائم الزكاة، مشيرة إلى أن هناك أشخاصاً لا تنطبق عليهم شروط الاستحقاق حصلوا على مساعدات عينية ونقدية، بينما بقيت هي – رغم تسجيل اسمها منذ سنوات – خارج قوائم الدعم. وتضيف أن إحدى صديقاتها التي لا تعاني من ضائقة حقيقية تمكنت من الحصول على مساعدات مختلفة، في حين لم تحصل هي على شيء رغم أنها تعيل أسرة كاملة.


    هذه الشهادات التي تتكرر في أحاديث كثير من النساء المحتشدات أمام المطاعم والمتاجر الخيرية تعكس جانباً من الأزمة الاجتماعية التي تعيشها المحافظة نتيجة السياسات الجديدة المتعلقة بإدارة أموال الزكاة.


    وتشير مصادر محلية إلى أن التجار في إب، كما في بقية المحافظات، أصبحوا ملزمين بدفع الزكاة عبر الجهات التابعة للحوثيين، في حين مُنعوا من توزيعها مباشرة على الفقراء أو تقديم مساعدات مالية أو عينية خارج هذه القنوات، وهو ما جعل هذه الجهات تتحكم في تحديد قوائم المستفيدين وآلية توزيع المساعدات. كما تقول المصادر إن جزءاً كبيراً من إيرادات الزكاة التي تُجمع داخل المحافظة لا يتم إنفاقه فيها، بل يتم تحويله إلى أنشطة في محافظات أخرى.


    ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ إذ تشير المصادر إلى أن العديد من الجمعيات والمراكز الخيرية التي كانت تنشط في إب تعرضت خلال السنوات الأخيرة للتضييق أو الإغلاق، فيما تمت مصادرة مقار بعضها أو السيطرة على مواردها. كما تعرض عدد من الناشطين في العمل الإنساني للاعتقال أو الملاحقة، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في حجم الأنشطة الخيرية التي كانت تلعب دوراً مهماً في تخفيف معاناة الفقراء، خصوصاً خلال شهر رمضان.


    وفي قراءة أوسع لهذه المشاهد، يرى الناشط في المجال الإغاثي والاجتماعي نبيل الشعراني أن ما يحدث اليوم في محافظة إب يمثل تحولاً غير مسبوق في مستوى الفقر والجوع الذي تشهده المحافظة.


    ويوضح الشعراني، في تصريحات لـ"الصحوة نت"، أنه يعمل في المجال الإنساني منذ نحو عشر سنوات، وخلال هذه الفترة لم يشهد اتساع رقعة الجوع بهذا الشكل الذي يراه اليوم، خصوصاً في مركز المحافظة الذي كان يُعد تقليدياً الأكثر استقراراً اقتصادياً مقارنة ببقية المديريات.


    ويضيف أنه يعرف شخصياً عدداً كبيراً من الأسر التي كانت حتى وقت قريب تعيش أوضاعاً معيشية مقبولة، لكنها أصبحت اليوم تبحث عن المساعدات من الجمعيات أو المنظمات أو فاعلي الخير.


    ويشير إلى أنه يتلقى بشكل شبه يومي رسائل ومناشدات من أشخاص يطلبون المساعدة لتوفير الغذاء أو الدواء أو الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لكنه كثيراً ما يجد نفسه عاجزاً عن الاستجابة لهذه النداءات لأن حجم الاحتياج أصبح أكبر بكثير من الموارد المتاحة أو مصادر الدعم المحدودة.


    يرى الشعراني أن ما وصلت إليه إب من تفشٍ للجوع لم يعد يشبه أوضاعها السابقة، بل بات أقرب – من حيث القسوة – إلى المشاهد المأساوية المعروفة في مناطق تهامة بمحافظة الحديدة.


    موضحاً أن وراء ذلك جملة من الأسباب المتداخلة، وفي مقدمتها السياسات والإجراءات الاقتصادية التي فرضتها ملشيا الحوثي خلال السنوات الأخيرة، والتي يقول إنها لا تختلف كثيراً عن سياساتها في بقية المحافظات، لكنها تركزت خلال العامين الماضيين بشكل أكثر كثافة في إب، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة من السكان إلى حافة الفقر المدقع.

     

    الصحوة نت
     

    قد يعجبك ايضا!