سلمان الحميدي-متابعات
قُتل الطفل إبراهيم جلال برصاص قناص حوثي. تداول اليمنيون صورًا للطفل وهو يغادر مدرسته بأناقة، وأخرى تجمعه بشقيقته بزيهما المدرسي، قبل أن تنتهي الرحلة بصورة أخيرة له على سرير المستشفى، ومقطع مؤلم لشقيقته وهي تروي لحظة استهدافه بجوارها، من قبل صيادي الأطفال.
صيادو الأطفال، هي الصفة المناسبة للقتلة الإماميين. فجرائم القنص المستمرة، تؤكد أن الحوثة، ينظرون لتعز كمنطقة صيد برية، ولهذا ينبرون، عقب كل جريمة، لتبرئة القناص وتلطيف أجوائه من أي شعور بالذنب، بغرض اصطياد المزيد من الأوادم بانتشاء، ودون سد شهيتهم للقتل.
كان الشقيقان في طريقهما المعتاد بين المدرسة والمنزل، يحملان أحلامهما البسيطة، غير مدركين الاستراتيجية الإمامية التي تحول الطرقات إلى مصائد، والمارين إلى وجبات صيد. في لحظة، انتهت الصحبة الطفولية بين إبراهيم وشقيقته برصاصة قنص أنهت حياة أحدهما.
إبراهيم لم يكن أول الضحايا ولن يكون الأخير في هذه المدينة. فشهية الحوثي لدم اليمنيين تتزايد باستمرار، والجريمة عند الإمامين متعة ترتفع لذتها بوطنية الضحية وطزاجة دمه، وإلى أي مدى يمكن لحلمه أن يشكل خطرًا على مسيرة المجرمين!
هل تذكرون الطفلة رويدا، التي خرجت لتجلب الماء، فاخترقت رأسها رصاصة القناص الحوثي قبل أن تعود بـ"الدبة البلاستيكية"؟ من المؤكد أنكم رأيتم شقيقها الصغير وهو يسحبها، بينما يرسم دمها القاني حقيقتنا على الإسفلت: العجز، والنسيان، وعدم تخليد المشاهد الإنسانية التي تجعل صورة العدو البشعة تطاردنا في المضاجع، وتُذكرنا بشروره كلما انغمسنا في الترهات.
نمط الجرائم التي ترتكبها المليشيا الإمامية بحق الأطفال في تعز يكاد يتخذ طابعًا واحدًا: استهداف طفل أو أكثر من بين مجموعة أطفال، أو من داخل الأسرة نفسها. التركيز منصب على ضحية مؤكدة، وبينما يستوثق القتلة أنهم أنهوا حياة طفل يمني، يظنون أنهم تمكنوا من تعطيل طاقة من بجواره، إما بالفجيعة أو الفقد. هذا ما يحدث حتى إن اختلفت جغرافيا الصيد الإمامي، مدينةً كانت أو ريفًا، وهذا النمط يتكرر حتى إن تغيرت أداة القتل الإمامية: قنص، أو قذيفة، أو لغم. طفل على الأقل يسقط مضرجًا، ويعيش الآخر مصدومًا، تترعرع معه الذكرى المدماة جسداً وروحاً.
هذا ما حدث للطفل أحمد خالد سفيان، الذي قُتل أمام منزله في الشقب بصبر، بعدما خرج ليلعب مع أترابه في القرية. وقبله أيضًا قتلت قذيفة حوثية الطفل ديب بكر، وأصابت أشقاءه الثلاثة. هل تذكرون الطفل زكريا خالد، الذي انتهت حياته في لحظة، بينما كانت شقيقته خلود تصارع الألم في غرفة العناية المركزة؟
على المستوى الشخصي، أتذكر الطفل البراء مراد. كان يلعب مع رفاقه في حي الروضة بتعز، قبل أن تسقط القذيفة الحوثية بينهم. أُصيب اثنا عشر طفلًا، بينهم البراء الذي اختاره القدر من بين رفاقه. كنت هناك يومها، في المستشفى. رأيت الأطفال وهم ينزفون، رأيت الدم يملأ الممرات، والوجوه الصغيرة تنكمش من هول الفاجعة وشدة الألم.
في غرفة الانتظار، كان طفلان ينتظران دورهما للدخول إلى غرفة العمليات، بينما في الداخل طفلان آخران يقاتلان للبقاء. كان المكان ضيقًا بالحزن، واسعًا بالعجز. نجا أحد عشر طفلًا، ليحملوا التشوهات التي تركتها شظايا القذيفة على أجسادهم، وليحملوا صورة صديقهم مراد بقية العمر. هكذا يعيش الأطفال نتيجة الهجمات الحوثية: آثار جسدية تكبر معهم، وآثار نفسية متروكة بلا علاج.
هل نسيتم منى عبدالله، التي قُتلت مع شقيقها طه في حي المطار القديم؟ وأيضًا حميد وليلى ومحمود، ثلاثة أسماء من عائلة واحدة قتلهم الحوثيون دفعة واحدة؟ وهل تذكرون الرجاء الخالد الذي حمله الطفل فريد شوقي، وهزّ رجاؤه القلوب في بداية الحرب حين قال بعد إصابته وهو يرتجف: "لا تقبروناش"… لكننا، رغم كل شيء، قبرناه.
في تعز آلاف القبور للشهداء الذين قتلهم الحوثي وحليفه أول الحرب، والذين قتلهم ويقتلهم الحوثي وحده لاحقًا. وللأطفال نصيب كبير من تلك القبور، التي تعيش حولها تفاصيل توجع القلب، لضحايا لم يُنشر عنهم شيء، وحولهم آلاف يحملون أثرًا نفسيًا سيحيط بمستقبلهم ومستقبل البلاد.
هكذا يستهدف الحوثي أطفال اليمن في المناطق المحررة. أما الأطفال في المناطق التي تفرض فيها الإمامة تدابيرها، فتستهدفهم بسياسة خطيرة: غيّرت المنهج الدراسي لجميع المراحل، بما في ذلك الابتدائية، وفخخته بالأفكار التي تمجد الجماعة الحوثية، وكثّفت الأنشطة التعبوية في المدارس والمعسكرات الصيفية، ومؤخرًا أطلقت قناة موجهة للأطفال! وهذا موضوع أخطر يحتاج إلى آلاف الدراسات والمقالات.
المصدر: يمن شباب نت

