سلمان الحميدي-متابعات
كان محمد قحطان قارئاً نهماً قبل أن يكون من كبار السياسيين، ورغم ذلك لم يوصد الباب أمام علاقاته الاجتماعية بمبرر العزلة مع الكتب والانشغال بالعمل السياسي. نظراً للقرب الجغرافي الذي يربط قرى منطقتنا بقرى منطقته، كان قحطان على علاقة بالكثير من أبناء منطقتنا. حتى أصدقاؤه الذين توفوا، ظل يتفقد أوضاع أبنائهم في ذروة الأحداث التي مرت بها البلاد من بعد 2010 وحتى 2014؛ إصلاحيون واشتراكيون، شخصيات اجتماعية، وأصدقاء قدامى.
أحد أصحاب البلاد زاره في صنعاء، وعندما عاد كان يتحدث بأن قحطان يحصي فوائده من كل كتاب يقرأه، حتى إنه قرأ كتاباً، وكل من قرأه أو اطلع على صفحاته الأولى أشار إلى إهدار وقته بالهذر بين أوراقه بلا فائدة؛ لكن قحطان أتمه وقال إنه أضاف إلى حصيلته اللغوية، من ذلك الكتاب، سبع كلمات جديدة!
عُرف قحطان بفهمه للواقع اليمني والقضية اليمنية التي تتطلب الانفتاح على مختلف التيارات الوطنية، وتجاوز حزازات الماضي وهواجس الحاضر التي لا تخلو من استغلال ماكر لتفريق التيارات الوطنية. وتبلور هذا الفهم المبكر بمساهمة القيادي الإصلاحي محمد قحطان مع القيادي الاشتراكي الكبير جار الله عمر في تشكيل تكتل "اللقاء المشترك"، ما أعاد الحياة إلى العمل الوطني/السياسي الجاد في اليمن.
بعد اغتيال صاحبه جار الله عمر، كان قحطان مؤمناً بأن الهدف من الجريمة إجهاض التجربة الوطنية، فواصل العمل على تعزيز التقارب بين الإصلاح والاشتراكي والناصري وبقية المكونات، متيقناً بأن النضال الوطني السلمي هو الطريق الأمثل للتغيير والبناء.كان الحديث حينها، محفوفاً بالمخاطر، ولكن قحطان كان شجاعاً بأحاديثه ومواقفه، أشار مبكراً إلى علاقة من نوع ما، تربط نظام صالح بتنظيم القاعدة، وبعد تحالف صالح والحوثيين وسيطرتهم على صنعاء عام 2014، اتخذ موقفاً رافضاً للحوار الذي اعتبره فاقداً للشرعية السياسية، ومن قلب صنعاء حذر من تقديم أي تنازلات للمليشيا لتلافي انزلاق البلاد والمنطقة إلى قعر الجحيم، وبذلك ظل متشبثا بشرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، ومنادياً بالعودة للمبادرة الخليجية حتى لحظة إخفائه قسرياً.
في حوار أجراه معه الصحفي ثابت الأحمدي قبل الحرب، ونُشر، على ما أذكر، في صحيفة الجمهورية، جاءت أجوبة تكشف ثقافة قحطان في التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، وقدرته على الربط بين الأحداث والخروج باستنتاجات دقيقة. "حاولت البحث عن ذلك الحوار على الإنترنت ولم أجده، لكنني وجدت ما يبدو أنه آخر حوار صحفي لقحطان، قبل نحو عشرين يوماً فقط من انطلاق عملية عاصفة الحزم".
في مارس 2015، أجرت صحيفة عكاظ السعودية، حوار هاتفيا مع قحطان، تحدث الرجل بجرأته المعهودة، رغم الإقامة الجبرية التي فرضها الحوثيون عليه، قال إن حياته وحياة كثير من رفاقه باتت مهددة الخطر، وإن عدداً من الإصلاحيين لا يزالون في سجون الحوثيين. روى كيف أوقفه الحوثيون بطريقة مهينة أثناء محاولته الوصول إلى عدن للقاء الرئيس هادي، مؤكداً أنه أبلغ المبعوث الأممي بممارسات المليشيا. من أكثر ما يعلق من حواره، تحذيره الواضح في التعامل مع الحوثة: «مزيد من التنازلات سيقود إلى نتائج كوارثية، وسيدفع الشعب اليمني ثمنها بمزيد من الفوضى والتمزق».
في الحوار الصحفي الذي سبق العاصفة، كشف قحطان جانباً من كواليس الحوار الوطني في ظل سيطرة الحوثي وصالح على صنعاء. قال إن حزب الإصلاح يفضل نقل الحوار إلى المملكة العربية السعودية إذا تعذر عقده داخل اليمن، معتبراً أن الأزمة اليمنية تجاوزت قدرة اليمنيين وحدهم على حلها، وأنها تحتاج إلى دور مباشر من مجلس التعاون الخليجي ودعم دولي واضح. ورأى أن المبادرة الخليجية لم تعد كافية ما لم تتحول إلى موقف موحد يمنع انهيار البلاد. وأضاف أن الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي العام رفضوا نقل الحوار خارج صنعاء، بينما أصرت أحزاب الإصلاح والاشتراكي والناصري على وجود ممثل للرئيس على طاولة التفاوض. كما لمح إلى وجود تفاهم غير معلن بين المبعوث الأممي جمال بنعمر وعبدالملك الحوثي، يسمح ببقاء هادي في موقع رمزي منزوع الصلاحيات: «الحوثيين لم يتضرروا من المبعوث الأممي، منذ أن باشر مهامه في اليمن، ويبدو لي (وهذا استنتاج شخصي)، أن جمال بنعمر اتفق مع عبدالملك الحوثي زعيم المتمردين على قبول الرئيس عبدربه منصور هادي رئيسا لمجلس الرئاسة وليس رئيسا لليمن، لأن بنعمر يحرص على أن يمسك العصا من المنتصف».
وتوقع قحطان أن يستمر الحوثة في إصدار قرارات وتعيينات لترسيخ سلطتهم، ولكن هذه القرارات: «لن يكون لها قيمة إلا إذا اتجهت جيوشهم بمساندة حزب المؤتمر إلى المحافظات التي لا زالت خارج سيطرتهم».
وعندما سُئل عن صنعاء، لم يحتج إلى وصف طويل؛ أجاب: «يكفي أنها تحت سيطرة الميليشيات الحوثية»، وأشار بأن هدوءها الظاهري ليس سوى نتيجة غياب أي مقاومة قادرة على مواجهة الطرف المسيطر.
حياة محمد قحطان ونضاله، ومواقفه وقضيته، تجعل منه رمزاً يمنياً جامعاً؛ مثقفاً آمن بالحوار، ومناضلاً تمسك بالدولة، وسياسياً دفع ثمن مواقفه حريته وحضوره الإنساني. المؤسف أن الشرعية والقوى السياسية اليمنية، على اختلافها، لم تنجح في تحويل هذه الرمزية الوطنية إلى قضية جامعة في مواجهة المليشيا، خطاب حزب الإصلاح نفسه لم يرتقِ إلى مستوى الرمزية الاستثنائية. علّقت مرة بأن الأمر يبدو وكأن سببه أن قحطان "من العُدين"؛ فكيف يظل حاضراً في وجدان اليمنيين، وغائباً عن الخطاب السياسي وحتى الرئاسي، والحقوقي والإنساني، بينما يمكن لشخصية قحطان وقصة إخفائه قسرياً منذ 11 سنة، أن تكون واحدة من أكثر الملفات الوطنية قدرة على مواجهة الحوثيين واستعادة المعنى الأخلاقي والإنساني والسياسي والقانوني، للمعركة اليمنية؟!
يمن شباب نت

