اخبار هامة

تأملات حول اتفاق تبادل الأسرى!

تأملات حول اتفاق تبادل الأسرى!

صلاح الأصبحي-متابعات

رغم ما يحمله اتفاق تبادل الأسرى بين الشرعية والحوثي برعاية سعودية وأممية من قيمة إنسانية وأخلاقية؛ إلا أنه يكشف عن حالة سياسية مستعصية تتعلق بالقضية اليمنية ككل، وصراعها المغلق مع الحوثي.


في العامين الأخيرين عصفت باليمن والمنطقة أحداث جسام وحروب ومواجهات بين أقطاب عدة، وكان من المتوقع أن تحدث شرخًا في بنية التحالفات والكيانات القائمة، وأن يتغير موقف الحوثي وموقعه في الخارطة السياسية والجغرافية.


كانت التوقعات ترجح أن الانكسارات التي تلقاها بمفرده أو الهزائم التي مُنيت بها حليفته ستضعه في لحظة خانقة، لن يفلت منها إلا بفتح مسارات إيجابية للتفاوض مع الداخل أو مع الخارج الإقليمي والدولي.


لكن بقاء هذه المعادلة عن هذا المستوى من التموضع والتماسك والصلف مثير للخوف واليأس حين يؤول الكم الهائل من الضغوطات الدبلوماسية والجيوسياسية إلى إبرام صفقة تبادل أسرى وفقًا لشروطه، وإزاحة كافة الملفات اليمنية المتعلقة بالحرب والسلام ومنع تصدير النفط وتهديد الملاحة الدولية، والامتثال لمخاطر الوضع الاقتصادي والإنساني الكارثي في مناطق سيطرته ومناطق الشرعية، حيث أوصد باب التفاوض بشأنها نهائيًا، وأسقطت من قاموس الملف اليمني نهائيًا.


ولو تناسينا كل هذه الملفات كما هو سائد في اللحظة، وبقينا نتأمل في نافذة الأسرى نقطة التواصل الوحيدة لدى الحوثي مع الجميع، التي يعتبرها طُعم التفاوض معه، حيث وأنه أقدم على إبرام عدة صيغ منها فيما مضى من السنوات، وأفرج عن شخصيات  لها ثقل سياسي واجتماعي باستثناء محمد قحطان.


ليس هذا الاستثناء عنده مجرد عناد أو مكابرة أو انتقام من الإصلاح أو من الرجل الأسير حسب ما تذهب التحليلات التي تفسر القصة، والأدهى من ذلك أنه لم يتهرب من إطلاق سراحه فحسب، بل حاول التلميح بوفاته كإجابة ملجمة لسؤال مفتوح ومؤرق يتعلق بمصيره.


ما الذي يخشاه الحوثي من إطلاق سراح رجل سياسي لا حول له ولا قوة كمحمد قحطان؟  كما لو كان خروجه من المعتقل سيقلب المعادلة السياسية رأسًا على عقب ضده، وكأن نبوءة استوطن يقينها وعي الكهنوت تحذر من مغبة إخراج قحطان من السجن.


في الحقيقة أن قحطان شخصية استثنائية في التاريخ السياسي اليمني ليس لحزب الإصلاح وإنما للوعي السياسي الوطني الناضج القادر على إحداث تحولات جذرية في الواقع، فله يعود الفضل والعزم في هندسة اللقاء المشترك إلى جانب رفيقه الشهيد جار الله عمر، وكاد هذا التحول أن يسقط صالح في انتخابات 2006، لولا سلطة الأخير التي وأدت هذه النتيجة الديمقراطية .


تفردت شخصية قحطان بحيازتها لسمات قائد سياسي يسعى لتغيير المجتمع وتفكيك عُقده السياسية والاجتماعية بالانتصار للقيم الديمقراطية للعمل السياسي المؤدية لبناء دولة مدنية تتجاوز سلطة القبيلة والمال والنفوذ، وإذابة الثنائيات المرة شمال وجنوب، مطلع ومنزل، زيدي وشافعي، يمين ويسار، سيد وقبيلي، شيخ ورعوي، كونها العائق الوحيد  الذي يبطل مفعول العمل السياسي، وينتصر بها أعداء بناء دولة مدنية ووطن  ديمقراطي موحد.


جرأته ونزاهته وشخصيته القوية المرنة والمؤثرة، ووطنيته الخالصة، وقدرته على ابتكار الحلول للمأزق السياسية، وفطنته في رأب الشروخ والتصدعات تجعل من نموذجه الجزء الهام المفقود في الشرعية اليمنية منذ 2015، وغيابه عنها جعلها بهذه الركاكة والترهل، ولذا فالحوثي لا يراه فردًا وإنما نظرية سياسية بمقدورها التغلب عليه في يوم ما إن تحولت إلى واقع ملموس.


سأعزز ما قلته عن قحطان بحادثة كان هو البطل، في منتصف التسعينيات كان شيخ مذيخرة أمين باشا -المديرية التي ينحدر منها قحطان -متجبرًا نافذًا يتحكم بكل شؤون المنطقة، ويعطل حضور الدولة فيها، تمكن قحطان من التأثير على الناس ودفعهم للانتفاض على ظلم وسطوة الشيخ، فهب الأهالي من كل القرى إلى جوار منزل الشيخ رغم حملهم السلاح لكن مقصدهم كان ترهيبه، وسقط أحد المرافقين قتيلًا لأنه الوحيد الذي بادر بإطلاق النار على المتظاهرين من سطح المنزل.


انتهت القصة بتحميل قحطان وزر الحادثة كونه حسب ما قال الشيخ الذي رفع قضيته إلى الشيخ عبدالله الأحمر"هل سمعت يا كبيرنا أن فقيهًا -إشارة لقحطان الذي ينتمي لهذه الطبقة- حمل السلاح وتطاول على شيخه"، وتم حبس قحطان حسب العرف القبلي والاعتذار، الشاهد هنا قدرته على التأثير، وجرأته في تحطيم صنمية النفوذ وسعيه الصلب لتغيير منظومة المجتمع سياسيًا واجتماعيًا.


والخلاصة هنا ليس قحطان وغيره هم الأسرى، فاليمن كدولة ونظام جمهوري وجغرافيا وشعب وثروات وموارد وحاضر ومستقبل أسيرة عند الحوثي، مهما تصورنا أننا أحرارًا خارج مناطق سيطرته، لكننا معتقلون بشكل أو بآخر في زنازين سلطته وشرور مشروعه.


يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!