عبده سالم-خاص
ارتكزت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م على أساس سلمي توافقي، وقاعدة سياسية وأمنية صلبة، قوامها التصالح والتوافق الوطني وإغلاق ملفات الصراع الماضي، وهو ما انعكس إيجاباً على مجمل المسارات الوحدوية، وخفّض منسوب الهواجس الأمنية لدى مختلف الأطراف، وقد عززت وثيقة الوحدة هذا المناخ من خلال رسائل واضحة مرتبطة بإنهاء آثار التشطير والاستقطابات الدولية التي صنعتها مرحلة الحرب الباردة، الأمر الذي دفع اليمنيين إلى النظر إلى الوحدة باعتبارها نقطة تحول إيجابية على مستوى الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
فعلى الصعيد الوطني، جرى النظر إلى الوحدة بوصفها الضامن الأكبر لإنهاء أدوات الصراع التي أفرزها التشطير، والحيلولة دون انزلاق اليمن إلى دوامة الانتقام والحروب الأهلية التي شهدتها دول أخرى عانت ظروفاً مشابهة خلال الحرب الباردة، وقد استند هذا التفاؤل إلى قناعة راسخة بأن الوحدة مثلت أكبر تسوية وطنية في التاريخ اليمني الحديث، إذ استوعبت مختلف المصالح، ومنحت الأمان لكل خائف، وقدّمت التعويض لكل متضرر، وأوجدت حالة من الطمأنينة العامة بين مختلف الأطراف.
أما إقليمياً ودولياً، فقد اعتُبرت الوحدة اليمنية بمثابة رسالة طمأنة للمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، مفادها أن اليمن الذي كان بشطريه يمثل مصدر قلق أمني للإقليم قد تحوّل بفعل الوحدة، إلى عامل استقرار وضامن للأمن الإقليمي، بعد تخلي النظامين السابقين عن مشاريع الصراع والأجندات الأيديولوجية المرتبطة بالحرب الباردة.
كما أسهم هذا التحول الوحدوي في خلق بيئة أكثر جذباً للاستثمارات الدولية، خصوصاً في مناطق النفط والغاز الواقعة بين مأرب وشبوة وحضرموت، وهي المناطق التي كانت قبل الوحدة تمثل خطوط تماس حدودية وسياسية ملتهبة، ثم تحولت بفعل الوحدة إلى عمق وطني مستقر، ما شجع الشركات النفطية والمستثمرين الدوليين على التوجه إليها، بالتوازي مع تطلع اليمنيين إلى مستقبل اقتصادي أفضل.
لقد تشكل مع قيام الوحدة أمل داخلي وخارجي بأن تصبح اليمن، في ظل الدولة الوحدوية، أرضاً آمنة للاستثمار والتنمية والاستقرار
ولا أزال على يقين تام بأن المرتكز الأستراتيجي الأمني والسياسي السلمي الذي قامت عليه الوحدة سيظل أساساً ضرورياً لأي مشروع وطني يستهدف استعادة الدولة اليمنية وبناء مؤسساتها، وفي هذا السياق، تبرز مهمة توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلابات ومظاهر السطو الحوثي الإيراني، وبما يضمن في الوقت نفسه معالجة مطالب أبناء الجنوب والشرق ضمن إطار التوافق السياسي السلمي الذي قامت عليه وحدة 22 مايو 1990م، وبما يحفظ أمن اليمن واستقرار المنطقة بأسرها، ويفتح الباب واسعا أمام انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، الذي لا يقبل في عضويته سوى يمنٍ واحدٍ مستقر ومتماسك، باعتبار أن المجلس نفسه قام ونهض على مرتكزات وحدوية خليجية خالصة.
ويزداد حضور هذا البعد الاستراتيجي اليوم، خاصة بعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، التي أعادت الحديث مجدداً عن مشاريع ربط شرق السعودية ببحر العرب عبر اليمن، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وطاقي أوسع، يعزز أمن الطاقة، ويدعم استقرار المنطقة وأمنها الجماعي، ويمنح اليمن الموحد فرصة تاريخية للتحول إلى شريك استراتيجي فاعل في معادلة الأمن والتنمية الإقليمية.

