أحمد اليفرسي-متابعات
على كتف جبل رحب الربادي، حيث ينهض الجبل كعملاقٍ متكئٍ على السائلة التي تشق أسفله، وتفصل بينه وبين عزلة الجبلين التابعة للعُدين، هناك تتربّع قرية العُدانة(إحدى قرى مديرية جبلة بمحافظة إب) قرية صغيرة، لا يتجاوز عدد بيوتها اليوم ثمانين بيتًا، وكانت في زمن الأجداد لا تزيد على عشرة بيوت، لكنها كانت عامرة برجالٍ يشبهون صخور الجبال، ونساءٍ يشبهن الغيم حين يهبّ بالمطر.
في الليل، تبدو العُدانة كأنها نجومٌ هبطت على ظهر الجبل، تتلألأ فوق صمته، وتُشعر الناظر بأن المكان ليس مجرد قرية… بل روحٌ حارسة.
الفقيه سعد… عين القرية التي لا تنام
في ذلك الزمن البعيد، زمن المنصور بالله وابنه الإمام يحيى حميد الدين، كان كبير القوم هو الفقيه سعد اليفرسي. رجلٌ لا يرفع صوته، لكن كلمته كانت تُسمع كما تُسمع دقات الطبول في وادٍ ساكن. كان يقف على شرفة منزله، يرقب حدود القرية، كأنما الجبل نفسه قد أودع فيه جزءًا من حراسته.
ومن نسله جاء حسن الفقيه ومحسن الفقيه، رحمهم الله. وكان حسن هو من علّم أطفال القرية القرآن، ومنهم أنت، حين كان شيخًا كبيرًا ضعيف البصر، لكنه ثابتٌ كجذع شجرة عتيقة لا تهزّها الرياح. رحل في أوائل الثمانينيات، ولحقه أخوه محسن بعد الألفين.
الشرارة… حين سخر الغريب من البندقية
في يومٍ من أيام الصيف، أقبل عسكري زيدي مسلح، دخل أملاك القرية متعاليًا، يأخذ ما يشاء كأنه في أرضٍ بلا أهل. ناداه الفقيه سعد من شرفته: "قِف… هذه حدود العُدانة."
ضحك العسكري ساخرًا، وقال متحديًا: "لَقِّمها عشر!" يقصد أن الفقيه لا يجيد استخدام بندقيته القديمة الجرمل أو الشيكي المستخدمة آنذاك.
لكن الفقيه سعد لم يكن من رجال الكلام. رفع بندقيته، وقال بصوتٍ يشبه قسمًا: "والله ما ألقّمها إلا واحدة."
ثم أطلق… فوقعت الرصاصة بين عيني العسكري، كأنها كلمة حقٍّ لا تخطئ طريقها.
الغزوة… حين بقي أربعة وهرب الجميع
لم يمرّ الخبر مرور الريح. جاءت حملة عسكرية قيل إن عددها أربعمائة عسكري، لغزو القرية وتأديبها.
هرب معظم أهل العُدانة، فالعدد مهول، والبطش معروف. لكن أربعة رجال بقوا… أربعة فقط، يتقدمهم الفقيه سعد، وفيهم جدّي فارع، رحمهم الله جميعًا.
أربعة رجال وقفوا في وجه جيشٍ كامل، كأن الجبل قد أنجبهم من صخره.
فاطمة… امرأة تحمل الماء والرصاص
وفي قلب تلك الملحمة، برزت امرأة تُشبه الأساطير: الحجّة فاطمة.
كانت تحمل الماء والرصاص في جَرّة واحدة على رأسها، تخترق صفوف الغزاة دون أن يلمحوها، كأن الأرض تفتح لها ممرًا خفيًا. كانت تمشي بخطواتٍ ثابتة، لا ترتجف، كأنها تعرف أن القرية كلها معلّقة على كتفيها.
وعندما رأت الغزاة يتجمعون في زقاق ضيق، دفعت المرجوش—ذلك الجدار الهش الذي يبنيه الناس في أسقف البيوت—فانهار فوق رؤوسهم. سقط منهم مجموعة قتلى وجرحى، وتشتت صفّهم، وارتبكوا كمن داهمته صاعقة.
انسحبت فاطمة عبر الممرات القديمة، تلك التي لا يعرفها إلا أهل القرية، كأنها ظلٌّ يتلاشى بين الصخور.
الانسحاب… حين انتصر الجبل
بعد أن سقط العشرات من الغزاة، أدركت الحملة أن القرية ليست لقمة سائغة، وأن الجبل حين يغضب لا يُقاوَم. انسحبوا دون أن يحققوا شيئًا، وبقيت العُدانة واقفة، صغيرة في حجمها، عظيمة في بأسها.
خاتمة الحكاية
هذه ليست أسطورة ترويها الجدات، بل حقيقة حملها كبار السن في صدورهم، ورووها كما تُروى البطولات التي لا يطويها الزمن. هي قصة قرية صغيرة، لكنها حين وقفت، وقفت كأمّة. وقصة رجالٍ أربعة، لكنهم كانوا بألف. وقصة امرأة واحدة، لكنها كانت جيشًا من الشجاعة.
إنها حكاية العُدانة… حكاية الجبل حين يهبّ للدفاع عن أبنائه، وحكاية الناس حين يصبحون أكبر من أنفسهم.

