اب بوست-متابعات
تعيش محافظة إب، المعروفة تاريخياً بالعاصمة السياحية لليمن، واحدة من أحلك المراحل الأمنية والإنسانية في تاريخها المعاصر. فخلف واجهة الطبيعة الخضراء والهدوء الظاهري، تئن المحافظة الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي تحت وطأة انفلات أمني غير مسبوق، يتغذى على تفشي الجريمة المنظمة والممنهجة.
ومن بين أكثر الملفات قتامة وخطورة، يبرز ملف اختفاء واختطاف النساء والأطفال، وهي الظاهرة التي تصاعدت بشكل مخيف وممنهج، لتتحول من حوادث جنائية معزولة إلى سلاح ترهيب وابتزاز واستغلال تديره وتشرف عليه قيادات تابعة للمليشيا.
ظاهرة آخذة في الاتساع
تتواتر الأنباء وبلاغات الاختفاء اليومية في مركز محافظة إب ومختلف مديرياتها في ظروف وملابسات غامضة تفزع السكان المحتجزين خلف جدار الخوف.
وتشير تقارير المنظمات الحقوقية، ومنها رابطة أمهات المختطفين ومنظمات محلية أخرى، إلى تسجيل مئات الانتهاكات وحالات الاختطاف والاحتجاز التعسفي في إب خلال الفترات الماضية.
ومع ذلك، يؤكد خبراء حقوقيون أن الأرقام المرصودة لا تمثل سوى رأس جبل الجليد، فثقافة الصمت المجتمعي، والوصمة الاجتماعية المحيطة بملف النساء، بالإضافة إلى الخوف الشديد من بطش الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الحوثية، يدفع الكثير من الأسر إلى التكتم على الحوادث ومحاولة حلها عبر وساطات قبلية أو دفع فدية مالية، بدلاً من الإبلاغ الرسمي الذي قد يعرض الأسرة برمتها للاستهداف والتنكيل المباشر.
تواطؤ الأجهزة الأمنية وصناعة الانفلات
ولا يمكن فصل الارتفاع الحاد في معدلات الاختفاء عن طبيعة القبضة الأمنية للمليشيا الحوثية التي تهيمن على مفاصل الإدارة والأمن في إب وتوظفها لخدمة مصالحها الخاصة. وتجمع الشهادات المحلية والتقارير الحقوقية على أن المليشيا هي المتهم الرئيسي والمسؤول المباشر عن هذه الجرائم، إما من خلال التواطؤ السلبي وتجاهل بلاغات المواطنين المستغيثين، أو عبر التورط المباشر لقيادات ومشرفين حوثيين يديرون عصابات منظمة للاتجار بالبشر، أو الابتزاز المالي، أو التجنيد الإجباري.
إن غياب المحاسبة وسيادة مبدأ الإفلات من العقاب للموالين للمليشيا وفرا البيئة الخصبة لازدهار هذه التجارة غير المشروعة بآلام المدنيين وسلامتهم الشخصية، مما حول حياة السكان إلى كابوس يومي مستمر.
سجون الزينبيات السرية
لقد تحولت المرأة في محافظة إب من رمز مُصان مجتمعياً وقبلياً إلى هدف مباشر للاستقواء الحوثي وأداة لابتزاز الخصوم والمواطنين على حد سواء. وتتنوع دوافع اختطاف وإخفاء النساء بين السياسي والاقتصادي والأيديولوجي، حيث تعمد المليشيا عبر جهازها النسائي الأمني العقائدي المعروف باسم الزينبيات إلى مداهمة المنازل واختطاف ناشطات أو طالبات جامعية أو نساء من عائلات ميسورة الحال. ويتم تلفيق تهم أخلاقية أو كيدية أو التجسس على الضحايا، بهدف إجبار عائلاتهن على دفع مبالغ مالية باهظة كفدية مقابل الإفراج عنهن، ثم تُساق النساء المختطفات إلى مراكز احتجاز سرية وغير رسمية، حيث يُحرمن من التواصل مع ذويهن لفترات طويلة، ويتعرضن لانتهاكات جسدية ونفسية جسيمة توثقها التقارير الدولية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية.
قنص البراءة واقتياد الأطفال إلى محارق الموت وحلقات الجريمة
ويمثل اختفاء الأطفال في إب الشق الآخر من الفاجعة الإنسانية التي تدمي قلوب الأسر اليمنية يومياً دون رادع.
وتتعدد الأساليب والجهات المستفيدة، لكن الخيوط تلتقي دائماً عند قيادات المليشيا، ومع استمرار استنزاف مقاتلي الحوثي في الجبهات المشتعلة، نشطت شبكات سماسرة ونافذين تابعين للمليشيا لاستدراج الأطفال وصغار السن من المدارس والمساجد والأسواق وشوارع إب، حيث يتم عزلهم في معسكرات مغلقة ودورات تعبئة عقائدية فكرية قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال دون علم أو موافقة أولياء أمورهم. وتزامناً مع غياب الرقابة الأمنية، انتشرت في أوساط السكان مخاوف حقيقية مدعومة بشواهد عن شبكات جريمة منظمة تمارس خطف الأطفال لاستغلالهم في التسول، أو الأعمال الشاقة، أو حتى الاتجار بالأعضاء، وسط تكتّم وتواطؤ مريب من الأجهزة الأمنية التابعة للحوثيين في المحافظة.
مسرحيات العثور والتكتيم القسري على الحقيقة
ولا تنتهي المعاناة الإنسانية للعائلات عند حدود العثور على ذويهم المفقودين، بل تبدأ مرحلة جديدة من القمع تديرها الأجهزة الاستخباراتية للمليشيا للتغطية على الحقيقة. فعندما تتسع رقعة الغضب الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي وتتحول قضية اختفاء امرأة أو طفل إلى قضية رأي عام تضغط على الميليشيا، تضطر أجهزتها الأمنية إلى التحرّك لامتصاص الاحتقان الغاضب.
وفي كثير من الحالات، تعلن الميليشيا فجأة عن العثور على الضحية أو إعادتها، مروجة للأمر باعتباره إنجازاً أمنياً، بينما تؤكد الوقائع أن هذا الإعلان ليس سوى مسرحية تهدف إلى تبرئة المشرفين والنافذين الحوثيين المتورطين في عمليات الاحتجاز والابتزاز، والالتفاف الكامل على الضغط المجتمعي المتصاعد لمنع تحوله إلى انتفاضة شعبية.
سلاح الإكراه
وعقب العثور على الضحايا أو إطلاق سراحهم، تفرض الميليشيا طوقاً من السرية الشديدة والترهيب الممنهج على الضحايا وعائلاتهم لتوجيه مسار القضية نحو الدفن الفوري.
وتُجبر الميليشيا أولياء الأمور والأسر، تحت التهديد المباشر بالسجن والتنكيل، على توقيع تعهدات خطية صارمة بعدم التحدث لوسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.
ويتم استخدام أساليب الترهيب النفسي لإجبار العائلات المكلومة على تبني الرواية الحوثية الرسمية التي غالباً ما تدعي كذباً أن سبب الاختفاء يعود لخلافات عائلية أو ضياع عارض، وذلك لغسل يد الميليشيا وعصاباتها من الجريمة المنظمة وتحميل الضحية أو ذويه المسؤولية الكاملة أمام المجتمع.
تلفيق التهم
وتستغل ميليشيا الحوثي الخصوصية الاجتماعية الحساسة للمجتمع اليمني المحافظ، لا سيما في قضايا النساء، كأداة قمع إضافية لضمان الصمت.
ففي حال حاولت الأسرة كشف الحقيقة أو التمسك بمقاضاة الجناة الفعليين، تهدد الميليشيا عبر جهاز الزينبيات بتشويه سمعة الضحايا وتلفيق تهم كيدية تمس الشرف أو تهم بالعمالة والتجسس لمجلس الأمن أو التحالف.
هذا الإرهاب المعنوي الموجه يدفع الأسر مجبرة إلى إيثار السلامة والتزام الصمت المطبق خوفاً من الفضيحة المجتمعية المفتعلة.
إن الهدف الأساسي من سياسة التكتيم والإخضاع هو حماية مباشرة لشبكات الجريمة المنظمة وسماسرة التجنيد الإجباري التابعين لقيادات حوثية عليا في إب، حيث إن السماح للضحايا بالحديث بحرية سيكشف هويات الخاطفين وأماكن السجون السرية.
النزوح القسري
أفرزت هذه البيئة المرعبة نتائج كارثية على النسيج الاجتماعي في إب الذي تميز دوماً بالترابط والتعايش السلمي بين سكانه.
وبسبب الملاحقات المستمرة، وحملات الاختطافات العشوائية، والمخاوف المتزايدة على سلامة النساء والأطفال، وثّقت منظمات حقوقية نزوحاً جماعياً كبيراً للفارين من المحافظة صوب مناطق أكثر أماناً.
واضطرت مئات الأسر من الكوادر التعليمية، والأكاديمية، والشخصيات المجتمعية البارزة إلى ترك منازلها وممتلكاتها والنزوح قسراً باتجاه المحافظات المحررة أو خارج البلاد بحثاً عن الأمان المفقود، مما أفرغ المحافظة من نخبها الفكرية والاجتماعية وحولها إلى سجن كبير يديره المشرفون القادمون من خارجها لتطبيق سياسة القمع الممنهج وتطييف المجتمع بالقوة.
صرخات في الوادي وغياب الدور الدولي الفاعل
ورغم الوقفات الاحتجاجية المتكررة والمناشدات المستمرة التي تطلقها أسر الضحايا المكلومة ورابطة أمهات المختطفين، إلا أن الجريمة ما تزال مستمرة ومتصاعدة بشكل شبه يومي.
ويواجه المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحماية الطفولة اتهامات شعبية بالتقاعس والخذلان، حيث يرى السكان أن البيانات الخجولة والتنديدات الإعلامية لا تكفي لردع ميليشيا تمارس انتهاكاتها علناً، وتستخدم السيطرة الأمنية المطلقة لفرض ثقافة الخوف والترهيب وتكميم أفواه الشهود والضحايا.
إن استمرار ملف اختفاء النساء والأطفال في محافظة إب دون حل أو ردع دولي حقيقي يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية، ويؤكد مجدداً أن هذه الجريمة الخفية هي نتاج مباشر لسياسة ممنهجة تنتهجها مليشيا الحوثي لكسر كبرياء المجتمع اليمني وإخضاعه عبر استهداف أضعف فئاته وأكثرها هشاشة.
المصدر: وكالة خبر

