صادق عبدالرزاق-خاص
من أخطر ما يميز الأنظمة السلالية المستبدة أنها لا تكتفي باحتكار السلطة، وإنما تعمل على إضعاف المجتمع من الداخل، عبر تعميق الانقسامات الاجتماعية والقبلية والمناطقية والسياسية، حتى يتحول أبناء الوطن إلى خصوم يتنازعون فيما بينهم، بدل أن يتوحدوا في مواجهة الاستبداد، فكلما اتسعت دائرة الخلافات تراجع الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، وانصرف الناس إلى معارك تستنزف طاقاتهم وتبدد قدراتهم.
وفي هذا المشهد المضطرب، تظهر السلطة وكأنها الطرف الوحيد القادر على ضبط الأوضاع وإدارة الأزمات، بينما يكون استمرار تلك الأزمات سببًا في تعزيز نفوذها وإطالة عمرها، فالمجتمع المنشغل بصراعاته اليومية يفقد القدرة على تنظيم صفوفه، وتغيب الأولويات الوطنية، وتتراجع المطالبة بالحقوق والحريات، لتبقى السلطة بمنأى عن أي ضغط شعبي حقيقي.
أن المستبد يخشى وحدة المجتمع أكثر مما يخشى السلاح، فالصف الوطني الموحد قادر على إسقاط مشاريع الهيمنة، وكشف أدوات التفريق، وبناء إرادة شعبية لا تستطيع أي سلطة قمعها ابداً، أما المجتمع الممزق، فيصبح بيئة خصبة لإعادة إنتاج الاستبداد، وتبرير القمع، وإدامة الفساد.
الحكم السلالي لا يزدهر في ظل دولة المواطنة المتساوية، ولا في مجتمع متماسك يؤمن بالشراكة والعدالة، وإنما يجد فرصته في الانقسام، ويستثمر في نشر الشكوك والعداوات بين أبناء الوطن الواحد، حتى تبقى الثقة مفقودة، ويظل كل طرف ينظر إلى الآخر بوصفه خصمًا، بينما تتوسع سلطة الحاكم على حساب الجميع.
إن المعركة الحقيقية ليست بين أبناء المجتمع الواحد، وإنما بين مشروعين متناقضين: مشروع يؤمن بأن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، ومشروع يقوم على الامتياز السلالي واحتكار السلطة والثروة، ويرى في المجتمع مجرد أداة لإدامة نفوذه، وعلى المجتمع ان يختار بين الحرية والعبودية.
ولهذا فإن أولى خطوات مواجهة الاستبداد تبدأ بإسقاط ثقافة الفرقة، وترميم الثقة بين أبناء الوطن، وتعزيز قيم المواطنة، والالتفاف حول مشروع وطني جامع يتجاوز الانتماءات الضيقة. فكل محاولة لشق الصف الوطني تمنح المستبد فرصة جديدة للبقاء، وكل خطوة نحو الوحدة الوطنية تقرب المجتمع من استعادة دولته وحريته وكرامته.
إن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة المستبدة قد تنجح في إخضاع الشعوب سنوات طويلة، لكنها تعجز عن هزيمة شعب توحدت إرادته، فالأوطان تبنى بوحدة أبنائها، والدول تستقر بالعدالة وسيادة القانون، أما الاستبداد فلا يعيش إلا على الانقسام والخوف وتمزيق النسيج الاجتماعي، ومن هنا تصبح وحدة الصف الوطني أقوى سلاح في مواجهة كل مشروع يسعى إلى تكريس الهيمنة والاستعلاء وإدامة حكم يقوم على التمييز والاستبداد.

