اخبار هامة

ما بعد التعبئة الحوثية

ما بعد التعبئة الحوثية

صلاح الأصبحي-متابعات

لم يكن إبراز الحوثي لنسخة مستحدثة من مليشاته تسمى قوات التعبئة العامة مجرد استعراض شكلي يؤدي رسائل تهديد، وإنما هو عنوان كاشف لمرحلة تتأصل بنيتها على الصعيد المحلي عنده، وصعيد الآخر الذي يود إرهابه عن بعد، أو الدخول معه في مناوشات تجبره على التنازل له بجزء من الثروة، ومنحها له كامتياز .


في البدء كان يطلق شعار "التعبئة العامة" في لحظة الاستنفار القصوى، وجذب المقاتلين لجبهات القتال عبر برامج متسلسل يتكئ على التوعية الدينية الإغرائية وإذكاء النخوة القبلية والتجنيد الإجباري الاختياري، ثم تحول الشعار من موسمي إلى رسمي دائم تخدمه سلسلة الدورات الثقافية، والخُطب الدينية والتحشيدات الكرنفالية التي تقام في المدارس والجامعات ومختلف المؤسسات.


أما الآن فانكشف الغطاء عن تخصيص قوات مقاتلة انبثقت من رحم لوائح التعبئة وبرامجها النشطة في شتى مناطق سيطرته، المفزع في الأمر عمومية هذا العنصر الجهادي، وانتمائه إلى كل قرية ومنطقة، مما يجعل عدده مهولًا، ودافعه عشوائيًا، ومهامه حسب الحاجة.


لم يكن توقيت إخراجها إلى السطح، وإصدار بيان باسمها اعتباطيًا، وإنما جاء في لحظة حساسة وتصعيد ساخن تجلت ملامحه في مناطق سيطرته لأصوات الجائعين التي أصمت آذانه، وبدت تلك الأصوات مزعجة له، ومثيرة لازدرائه كونها شذت عن المسار العام للتعبئة، وانحرفت عن الاقتداء بخطوطها الجهادية العريضة، ولذا كانت الغاية القريبة من ظهورها جاهزيتها لإخماد تلك الأصوات بقوة قمعية تنتمي للحيز الجغرافي الذي تصدر منه.


أما الإفراط في تأويل وجهة قوات التعبئة فليس منطقيًا؛ لأنها مجرد تجمعات تحشيدية عامة وُثقت بياناتها بغية استدعائها للخضوع التدريبي وقت الاحتياج، فهي خزان بشري مؤرشف جاهز للاستهلاك ورفد الجبهات، استغلالًا للوقت الذي يهدر في عمليات التحشيدات العاجلة كل مرة، لكن بهذه الخطوة استغنت الجماعة عن القلق بمعالجة إشكالية النقص الدائم للمقاتلين، وبات الآن عندها ما هو فائض منها .


هذا الفائض سيخصص كما أسلفنا لإسقام الداخل، وقد رأينا ذلك التمادي الحوثي في  إخراس أصوات الجياع، ودفع أصوات أخرى للجهر بقذف الصحابة وذم يوم السقيفة بشكل مستفز وعدم خشية ردة فعل المجتمع المنهك غذائيًا، العاجز عن اعتراض ذلك التجاوز عقائديًا، وعلى هذا المنوال سيرسخ الحوثي مشروعه بقوة القمع ورهبته لدى المجتمع حتى يغدو كل قول أو فعل يصدر منه لا يثير أي قلق أو قلاقل لهذه المليشيات.


الغرابة أن تمضي هذه اللحظة التي خرجت فيها قوات التعبئة العامة إلى العلن دون أن يقلق أمرها طرف الشرعية، وينتابها الخوف فيدفعها للإسراع باتخاذ احتياطات احترازية والتأهب لانفجار معارك مباغتة يمكن أن يطلقها الحوثي في أي جبهة وخاصة في مناطق التماس، أو في المناطق التي تشهد توترات سياسية بين الشرعية وبين أطراف فيها، ربما تمهد تلك الأطراف لإسقاط أراضيها في قبضته نكاية بالشرعية كالضالع على سبيل المثال.


قد تكون هذه التوقعات مجرد هواجس وقد تكون حقائق في طريقها للإثبات، وفي كلتا الحالتين لابد من أخذها بعين الاعتبار طالما وأن مصدرها الحوثي، ذلك العدو المخاتل الباحث عن ثغرة للتسلل جغرافيًا وعسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وكسب نقطة في أي من هذه الجوانب الأربعة مع الشرعية ومع الشقيقة، وهذه بغيته السيميائية من كشف الستار عن قوة التعبئة العامة كفصيل صاعد ومكثف يدين بالولاء المطلق لزعيم المليشيات، ورهن تعليماته.


وليس بعيدًا عن هذا السياق فقد تضاربت عدة أخبار عن قيام المليشيات بمداهمة منازل ضباط في الأجهزة الأمنية والعسكرية داخل العاصمة، واعتقال العشرات منهم، وهذا ليس غريبًا عنها، لكن الغريب أنها تسعى إلى استئصال معظم المنتمين لهذه الأجهزة، وربما تستغني عنهم بشكل نهائي، وهي في طريقها إلى إنشاء بدائل جديدة متشربة لفكرها ومؤمنة بمشروعها، ولا تنظر لسلطتها كدولة كالعسكريين المخضرمين الذين تتسع الهوة بينهم وبين الجماعة.


من هذا المنطلق ولدت قوات التعبئة لملء هذه الفراغات وإزالة تلك الشكوك، وما يميزها هو الطاعة العمياء لزعيم العصابة الذي ارتبط ظهور هذه القوات بالدعوة التي أطلقها ولوح بها مهددًا، وكأنها تسير على نفس نسق قوات الباستيج الإيرانية التي أنشأت بدافع تنفيذ رغبات ودعوات المرشد.


ومن هنا علينا التنبه أن ما بعد التعبئة العامة سيكون مختلفًا عما قبل، وذلك لعدة اعتبارات حاولت تلمس بعض جوانبها، فغالبًا ما نتعاطى مع بعض القضايا بشكل غير منطقي سواء مبالغة أو تقليلًا من شأنها.


يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!