صلاح الأصبحي-متابعات
طرحت نظريات ما بعد الحداثة في الفكر الغربي تصورات مذهلة بخصوص التاريخ، باعتباره نصًا خطابيًا قابلًا للتفكيك، وليس حدثًا ثابتًا قابلًا للتصديق، فدعت إلى دراسة سردياته الكبرى التي كانت تصدر من سلطة المركز وتبرر جبروته، سواء كان سياسيًا أو دينيًا.
والإمامة كسلطة سياسية أو مذهب ديني عبر تاريخها تعتبر من السرديات التاريخية الكبرى التي هيمنت على تراث وتاريخ العرب بشكل عام، واليمن بشكل خاص، وأهمل في عصرنا الحديث التنبه لخطرها أو تفكيك قواعدها، حتى تحولت إلى واقع في كثير من البلدان .
الحوثي اليوم ليس مشروعًا سياسيًا انقلابيًا نواجهه اليوم، ولكنه سردية تاريخية متجذرة ومتداخلة مع كثير من القناعات والمسلمات المتصلة بحياتنا الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، هذه السردية بحاجة إلى تفكيك وتمحيص شامل لتبصير العوام، وانتشال ملامحها، بدافع تنويري ومعرفي، وبجهود رسمية ترعاها الدولة، وتتبنى تعميمها في مختلف وسائل التعليم المدرسي والجامعي ومراكز الأبحاث، وتعمل على إنشاء مراكز خاصة للعناية بها.
الجهود الفردية التي حاولت الاحتكاك بها لا تكفي، لأنها تشكل موروثًا ضخمًا يمتد لقرون، ومتداخلًا في أكثر من منعطف، في كتب الدين والتاريخ والتراث بشكل عام، حتى غدت أنساقها المضمرة حاضرة في الثقافة العامة للمجتمع دون أن يعي تأثيرها عليه لصالح الإمامة، أو يدرك ماهيتها.
ونحن في صلب معركة الصراع مع هذا العدو ومواجهته، لم نقم بخطوة لمواجهة فكره، وتفكيك أيديولوجته، وكشف تاريخه المظلم، وجرائمه البائدة على امتداد الزمن والجغرافيا في اليمن.
بينما هو الآن وقد أصبح سلطة انقلابية تهيمن على جزء من اليمن أعاد إحياء تراثه التاريخي بمراحله ورموزه، في المناهج التعليمية، وتبني الرسائل العلمية في الجامعات اليمنية القابعة تحت سلطته.
نحن لم نقم بالمثل، لم نواجه سرديته، لم تصدر رسالة علمية من أقسام التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الإسلامية وعلم الاجتماع تتناول هذه السردية، وتكشف زيفها، وما قامت به من تشويه لتاريخنا، وتحريف لتراثنا الفكري والديني الذي كان يكتبه أعلام يمانيون مخالفون للإمامة كالشوكاني والمقري.
ولك أن تتخيل أن باحثًا يمنيًا شهيرًا في التاريخ، كتب رسالة علمية عن السفاح الإمامي عبدالله بن حمزة باعتباره نموذجًا عادلًا لدولة الأئمة في اليمن، كان هذا قبل الانقلاب بفترة، فهذا الشاهد يفصح عن الفخاخ التي كان اليمنيون يقعون فيها.
يدعم الحوثي بسخاء مشروعه من الناحية الفكرية والمعرفية، ويسعى لتعميم تاريخ الإمامة كتاريخ رسمي لليمن، وآراؤها الدينية كثوابت للعقيدة الدينية في كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية والفقه، ومباشرة ترويجها رسميًا في الخطاب وفي الواقع.
ما زلنا بعيدين عن خوض معركة فكرية حقيقية معه، وكأن هناك موانع غامضة تبرر عجزنا، وتجعل من ذلك خطوة بلا قيمة، وتلك هي الكارثة، ما زالت النظرة له مقتصرة على رؤيته كعدو سياسي فقط وليس كعدو وجودي .
لقد استطاع عبر لوبي خاص به في الغرب أن يروج أنه أقلية مضطهدة في اليمن، وأن الحرب عليه منذ 2015 هي جزء من ذلك الاضطهاد، ولم تستطع الشرعية اليمنية إثبات أن مشروعه السياسي مشروعًا عنصريًا قبل أن يكون سياسيًا، ولذا تأثر القرار الغربي بشأنه إبان ترويج المنظمات الدولية لهذه الصورة عنه، وفخخت أية ردة فعل تجاهه.
إذا كان الغرب بشكل عام يمقت العنصرية ولو شكليًا في خطابه الرسمي، لكننا عجزنا عن استمالته لصالحنا من خلال تقديم الصورة القبيحة للعنصرية التي يمثلها.
لن يتأتى ذلك بخطاب إعلامي نردده في مختلف وسائل الإعلام، وإنما بمشاريع فكرية تغوص في أعماق هذه السردية، وتفضح المعتقدات والسلوكيات التاريخية التي أصلت للعنصرية التي يمارسها الحوثي اليوم كواقع سياسي وسلوكي.
هذه المشاريع الفكرية يجب أن تترجم كل الدراسات التي ستصدر عنها إلى عدة لغات، لأن هناك جامعات ومنظمات أجنبية في الوقت الراهن تهتم بدراسة الصراع في اليمن بناءً على الصورة المنمقة عن الحوثي، دون أن نأبه بتوضيح الصورة لها بسبب الغياب الكلي للدولة في هذا السياق.
كيمنيين دولة ومجتمع ما زالت نظرتنا للحوثي سطحية، وتمتد أيضًا إلى السردية التي يتكئ عليها.
فلو عدنا إلى الخلف، إلى الفرس الذي جلبوا لمساندة سيف بن ذي يزن، وانقلابهم عليه، وسيطرتهم على الحكم، وبقاء سلطتهم بعد الإسلام كباذان، وكيف تناسلت سلطتهم إلى الأبناء والأحفاد، وعُرفوا تاريخيًا( الأبناء) تميزًا لفارسيتهم، وحين عزز هذا الحضور بمجيء يحيى بن الحسين الرسي ليس من مكة وإنما من فارس، ومعه أربعة ألف جندي، لإخضاع القبائل، ثم تصاهروا مع القبائل اليمنية، وانتحلوا أسمائها ليعرفوا بها .
ذلك الأمر دفع الهمداني لعمل حصر شامل لأنساب القبائل اليمنية وفروعها في كتابه الإكليل من مرحلة ما قبل الإسلام حتى عصره، فجاء كتابه في عشرة أجزاء لم تبق منها إلا الأربعة، أما الستة الأخرى الخاصة بأنساب القبائل في عصره اختفت حتى اليوم، لأنها كانت الدليل الدامغ لكشف زيف أدعاء من يقولون اليوم أنهم هاشميون يمنيون.
إذا كنا نريد النصر اليوم على الحوثي فلننتصر للتاريخ الذي استعبدت اليمنيين سرديته الزائفة، ونحن ما زلنا ضحية ذلك الزيف، ولو كان حدثت القطيعة معها أو التصحيح لها بعد قيام ثورة 26 سبتمبر كقاعدة أساسية للنظام الجمهوري، لما عادت الإمامة بنسخة حوثية بعد خمسة عقود على انكماشها .
لم نستوعب الدرس بعد، نكرر ذات الخطأ، ونتوهم اننا في المسار الصحيح، متى سنفيق من الغيبوبة؟.
يمن شباب نت

