صلاح الطاهري -خاص
حين تتحول الحواضر المدنية إلى إقطاعيات جباية، تصبح الكتابة الصحفية محاولة لتشريح بنية القهر لا لمجرد رصد الانتهاكات العابرة.
في إب المحافظة التي نأت بنفسها تاريخياً عن صخب البنادق، يرتسم اليوم فيها نموذج صارخ لما يمكن تسميته بالاستعمار الداخلي للمجال العام.
إنها ثنائية قسرية، يتبادل فيها سوط المشرف الحوثي، ولسان المطبل، الأدوار بدقة، الأول يجتث الهيبة القانونية للمؤسسات ويسطو على الموارد، والثاني يمنح هذا التشوه شرعية اجتماعية زائفة.
هذا التخادم المصلحي ليس عشوائياً، بل هو آلية ممنهجة لتزييف الوعي الجمعي وإرغام مجتمع حي على التكيف مع الاستبداد بوصفه قدراً حتمياً.
لا يمكن فهم هذا المشهد الراهن من خلال رصد الوقائع اليومية المعزولة فحسب، بل عبر تفكيك الآلية التي أُعيد بها تشكيل الحاضنة التاريخية لليمن.فالمحافظة التي مثّلت دائماً الثقل الديموغرافي والمدني والمالي، تجد نفسها اليوم تحت وطأة هندسة اجتماعية واقتصادية جديدة.
تستند سطوة المشرف هنا إلى مفهوم السلطة الموازية، فهو لا يمثل جزءاً من تراتبية الدولة القانونية، بل يقع فوقها، مستمداً مشروعيته من تفويض عقائدي يتجاوز الدستور والعرف القبلي معاً.
وقد تجلى هذا النفوذ في أخطر قطاعين يمسّان البنية المجتمعية.... القضاء والأرض.فالقيمة العقارية الهائلة لأراضي إب تحولت من عصب للاستثمار والتنمية إلى مغنم حرب ووسيلة لإعادة توزيع الثروة لصالح المشرف السلالي القادم من خارج المحافظة، ليتحول المشرف إلى مهندس اقتصادي يعيد رسم الخارطة الطبقية للمدينة بأدوات الإكراه والاحتجاز التعسفي.
بالمقابل، لا يمكن لهذه السطوة أن تستقر دون جدار استنادي محلي، وهنا يبرز دور الانتهازية الانتفاعية أو ما يُصطلح عليه بأبواق المنتفعين. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد يصفقون في الفعاليات؛ إنهم يقومون بوظيفة حيوية تُسمى تبييض القبح الحوثي.
النخب التقليدية من وجاهات ومسؤولين محليين، الذين فضّلوا المقايضة على المواجهة، يمنحون المليشيا القادمة شرعية اجتماعية وسلوكية أمام الحاضنة الشعبية.هم يدركون أن وجودهم مرهون بمدى قدرتهم على تبرير الجبايات المرهقة وتصويرها كواجب وطني وديني، وتحويل أنين المجتمع وصراعه الصامت من أجل البقاء إلى لوحات استعراضية من الولاء المصطنع.
إن المأساة الحقيقية في إب اليوم ليست في غياب الدولة فحسب، بل في إفراغ المحافظة من روحها الثقافية والتنويرية، وتحويلها إلى مجرد خزان مالي وجغرافي للجباية، مما يمثل تهديداً حقيقياً للمستقبل.
فالاستقرار القائم على الخوف وتواطؤ المصالح هو استقرار هش، وما يُنتج اليوم من ضغائن اجتماعية واقتصادية تحت الرماد، يؤكد أن هذه الصيغة لإدارة المجتمع لا يمكن أن تصنع استدامة، بل تؤسس لشرخ وطني غائر ستحتاج الأجيال القادمة لعقود طويلة من أجل ترميمه.

