صلاح الأصبحي-متابعات
إذا كان التحول في المسار العسكري لصالح الشرعية، فلا بد أن يصحبه تحول فكري مكثف يشمل مجمل صور الخطاب المضاد للفكر الحوثي، وتقويض بنيته بشكل مختلف، يفضح أكاذيبه، ويفكك أنساقه المضمرة المختبئة خلف مظاهره الجمالية الدينية والاجتماعية والسياسية التي ينخدع العامة بها، دون إدراك خطورتها.
فدغدغة المشاعر الدينية للاحتفاء بالمولد النبوي تذهب للإقرار بالسلطة التي تدعي وراثة النبي، وتستمد شرعيتها من انتسابها له، وهي بدون ذلك لا قيمة لها، فمهما كانت الناس صادقة وبريئة في التعبير عن حبها للنبي، إلا أنها في هذا السياق ضحية لخطاب سياسي نسقي.
هذا مجرد شاهد على خطورة المرجعية الدينية التي يستند عليها الحوثي لاستدامة مشروعه، فليس هينًا أن تزحزح خصمًا يتكئ على الدين، ولن يستقيم ذلك إلا بخطاب ديني حقيقي يكشف اللعبة التي يشتغل عليها هذا الخصم، لا يهادن ولا ينظر للمسألة على أنها خلاف سياسي، أو ادعاء وافتراء على الدين لا يرتقي لمستوى اعتباره إشكالية يجب ردعها باشتغال فكري حازم، وخطاب دعوي جاد.
نحتاج قرارًا سياسيًا بهذا الخصوص يفرضه على المختصين، ونحتاج دعمًا سخيًا يضاهي الدعم العسكري والاقتصادي لكي ننتج خطابًا مضادًا واعيًا ومؤثرًا يعمم، ويتبنى صورة موحدة للتعامل مع الفكر الحوثي، يجرم من ينظر للأخير كخصم سياسي، أو من يستغل حرية التعبير لتفخيخ حقيقة قبحه، والتقليل من عداوته .
وعليه فلا بد من قيام جبهة فكرية متعددة الاهتمامات تعزل السردية الإمامية على امتداد تاريخها من النصوص الدينية في التفسير والحديث والفقه والسيرة، وتعزل الإضافة الحوثية الجديدة لها، وفي المقابل ينبغي أن يسلك المهتمون بالتاريخ ذات النهج، بإخراج الجرائم التاريخية للإمامة من بطون الكتب كأخبار متفرقة، ومن مدوناتهم التي تتباهى بها، وعرضها على حقيقتها.
لم تتناسل الإمامة في اليمن من زمن إلى آخر إلا لأنها سردية مغلقة، ومنمقة بأغلفة دينية موهت قبحها، ومررت أنساقها ببراعة، رغم منافتها لقيم المساواة والعدل والشورى.
اليوم الحوثي بقي لأكثر من عشر سنوات ليس لتفوقه عسكريًا، وإنما بترويج مشروعه فكريًا، وربط كل فعل سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو تعليمي بنصرة الدين والرسول، ومعاداة اليهود، وهل يجرؤ الشعب تحت رحمته على رفض مثل هذه الدعوة المثالية؟
بالطبع لا، فحين تفرض السلطة الحاكمة أي توجه ديني حتى لو كان كفرًا يصبح متداولًا من قبل المجتمع، وخاصة إن كانت هذه السلطة تقمع كل مخالف لرؤيتها، ولنا في الشيخ حنتوس رحمه الله أسوة في التنكيل الديني.
ولذا فنحن لا نواجه مليشيات سياسية انقلابية، بل نواجه طائفة بحمولات دينية، وخلفية تاريخية استبدادية، وهذا يتطلب منا جبهة فكرية خاصة تدحض تلك الحمولات وتعري تلك الخلفية حتى لا تتغول علينا دينيًا، وإثبات أن تاريخها مجرد مجازر ارتكبت لإخضاع قبائل اليمن بالقوة لسلطتها، وكانت دائمًا مثار نفور منها وتمرد عليها، فبقت منفية كحاكمة وبقت القبائل اليمنية ثابتة في تمردها الدائم .
وعليه فإن مواجهة الحوثي فكريًا ليست عملية مستحيلة، وليست ترفًا، فمن حيث صعوبتها بمقدورنا كدولة شرعية جمهورية أن نبذل ما بوسعنا، ونخطو أول خطوة بإعادة طباعة مئات الكتب المناهضة للإمامة تاريخيًا كمؤلفات الشوكاني والمقري والمقبلي ونشوان الحميري، وكذلك الكتب الخاصة بالجمهورية وثورة 26 سبتمبر، وبيعها بسعر رمزي، وملء المكتبات العامة في المدارس والجامعات، وإقامة النشاطات الثقافية لقراءتها واستحضار قيمتها.
وكذلك منح المهتمين والمختصين رعاية ودعمًا وتفرغًا لإنتاج مشاريع فكرية، وإطلاق الدولة لجوائز تشجيعية لكل من يسهم في هذا المجال، وتحفيز أي دور مناهض للفكر الحوثي في الفن والأدب والمسرح والتشكيل، ومختلف الاسهامات الصحفية والإعلامية.
نأمل أن يكون لكل نشاط فكري وطني إطارًا رسميًا ودائرة خاصة تشرف عليها الدولة، تتبنى كل إسهام وتحتفي به، حتى لا يشعر كل صاحب إسهام بأن جهده بلا معنى أو تقدير، وأن يكون هناك أرشيفًا يوثق، ومكتبة تطبع، وجمهور يتلقى ويقرأ، ولا نترك الوعي الجمعي عرضة للعبث والزيف.
يمن شباب نت

