اخبار هامة

الإعلام والثقافة.. أدوار غائبة وطاقات مهدرة

الإعلام والثقافة.. أدوار غائبة وطاقات مهدرة

جمال أنعم-إب بوست

إعلام الشرعية والقوى الوطنية المقاومة، والحضور الباهت وانعدام الفعالية، قضية مثارة على الدوام، ومن أهم أسباب ذلك، من وجهة نظري: إهمال الكوادر الإعلامية المهنية الكفؤة، وتركهم نهبًا للبطالة والضياع، وربما للتردي في أسواق الاستقطابات، ودفعهم لعرض إمكاناتهم للتأجير والعمل لصالح أطراف ومشاريع وأجندات مضادة.


من المهم إعادة تأطير الكوادر الصحفية والإعلامية المهدرة داخل المؤسسات والوسائل الإعلامية الحكومية والحزبية.


الإعلام لا وجود له على صعيد إدارة الصراع عمومًا، وأقصد إعلام الشرعية والإعلام المقاوم، وبالتالي لا يشعر الإعلاميون أنهم جزء من الحرب، ولا يجدون لأنفسهم مكانًا داخل الأطر المعنية بإدارة الصراع.


وهو ما حسم موقع الغالبية منهم ضمن المتفرجين والمتابعين عن بُعد، وضمن المنخرطين في السجال الضاج على الهوامش في العوالم الافتراضية لا الواقعية. يخوضون صراعات مخسرة توسع الشروخ والتصدعات، وبدلًا من أن يكونوا فاعلين تحولوا بالضرورة إلى منفعلين ومتلقفي أخبار وشائعات وقالة، ولم تلبث مسارات الحرب الكارثية حتى نشرت أجواء شديدة القتامة، عمقت شعورهم بالفقدان والخسارة. فقدان وخسارة الوطن والقضية والروح والمعنى والقيمة.


هؤلاء الذين لم ندعهم يومًا لأن يكونوا في صدارة الفعل، هل نستطيع مطالبتهم بالالتزام في التعبير فيما يخص الحرب والمعارك الدائرة؟ لا نستطيع إعادة تأطيرهم بسهولة، لا لأننا لا نملك أساسًا الأدوات والوسائل والإمكانات اللازمة، بل لأننا لا نملك المشروع والإرادة والقرار والكفاءة، ولم نعد نعرف من نحن؟ وماذا نريد؟


هؤلاء المهمشون والمهشمون والمدفوعون خارجًا، وضعهم الفشل والقصور في إدارة الصراع في حالة من الفراغ والتمزق وعدم الشعور بالانتماء العضوي إلى القضية الوطنية، وفُرض عليهم القتال في جبهات منفردة، حتى وجد البعض نفسه مصوبًا باتجاهات لم تستثن أحدًا، بما فيها الذات، بل وصار كثير منهم هدفًا للفرز والتمييز والشكوك والاتهام، منظورًا إليهم من قبل حماة الفساد ورعاة الوهن كعبء يتوجب عليهم الخلاص منهم بشتى السبل.


الأمور لا تُدرك بالرغبات والأماني والرجاءات البائسة.


نحن في صراع مرير، ما زالت تتفجر فيه أخطاء البدايات واختلالات التأسيس وضعف القيادة وسوء الإدارة وفقدان الوجهة وضياع الشارع والمشروع والشرعية.


لسنا فقراء إلى الكوادر الإعلامية والثقافية. لدينا طاقات هائلة، ولدينا مبدعون في مختلف الفنون، لدينا كتاب وأدباء وروائيون وشعراء وفنانون وممثلون، لدينا شباب يفوزون في مسابقات إقليمية ودولية رغم ظروف واقعهم المقعد. لدينا مواهب وإمكانات مهدرة في الداخل والخارج. هذه الفعالية وهذه الخصوبة في الروح اليمنية المبدعة، للأسف، لا تجد الحواضن الداعمة والموجهة، ولا تجد من يديرها ويؤطرها ويدفع بها لخدمة المشروع الوطني، ولا لتعزيز روح المقاومة وخلق حالة من التعافي على صعيد الوعي العام، وإنجاز حضور إنساني يكافح تشوهات الحروب والأزمات.


إن التحجج بانعدام الإمكانات حجة جاهزة لدى المتنصلين ممن فقدوا الاهتمام والحماسة الكافية والشغف والحس بالمسؤولية.


قد تتوفر الإمكانات، ولا يعني ذلك شيئًا عندما لا تكون هناك رؤية وإرادة حقيقية للعمل وكفاءة لازمة.


ويقينًا أن الإمكانات ستكون أكثر توفرًا حين تتوفر العزيمة والجدية الصادقة في العمل. كلهم سيريدون أن يكونوا جزءًا من نجاحات كل مسؤول يجسد المثال في أدائه وحضوره. ستتوفر شراكات وستنفتح فرص كثيرة لا تحد.


لقد ترك المثقف والمبدع الساحة فارغة، للأسف، فملأها الأقل قدرة والأقل إمكانية.


نحن بحاجة إلى توجه يبدأ من أعلى مؤسسة الحكم لتفعيل المؤسسات الثقافية والإعلامية، وإعادة تأطير القدرات في أعمال وأنشطة وفعاليات تخدم القضية الوطنية، وتحرس الذائقة، وتحمي الروح من الانكسار.


كما أننا بحاجة لتفعيل التواصل مع المبدعين من كل الاتجاهات، وتنظيم أنشطة تستوعب طاقاتهم وإبداعاتهم، وتبقيهم في حالة يقظة ونشاط واندفاع.


كما نحتاج إلى إعادة النظر في كثير من الأداءات النمطية والصيغ الجامدة المستهلكة، والعمل على تجديد الوسائل والأدوات والخطاب بحسب متغيرات الأحداث والواقع والزمن. فثمة أجيال جديدة تنشأ في هذا الفراغ المهول، وهناك الكثير من التحديات التي تواجهنا على هذا الصعيد. صحيح أن الحرب استنزفت الجميع، لكن بدون التركيز على معوقتنا على مستوى الثقافة والإعلام، سنظل نراوح في مناطق بعيدة عن العقل والروح وأزماتنا الجوهرية.


نحن نخسر معاركنا على هذا الصعيد، وهذا سيرتب مشكلات مستقبلية كثيرة، وسيظل هذا الفراغ يرتد على الجميع ويلات وكوارث وتشوهات وصراعات رثة وأدواء كثيرة.


(من صفحة الكاتب)

قد يعجبك ايضا!