اخبار هامة

نساء تعز.. بطولة غير مرئية

نساء تعز.. بطولة غير مرئية

صلاح الأصبحي-إب بوست

في هذه المعركة الملحمية التي تخوضها تعز، ثمة بطولة صامتة، محجوبة عن الرؤية، لكنها قوية التأثير وسارية المفعول، تتسلل إلى أعماق الصمود والتضحية، أشبه بقوة دفع وتعزيز يصل صداها إلى الجبهات وإلى معنويات الأبطال، وتضخ زخمًا قتاليًا، وتشد أزر الصامدين في المتارس.


تجلّت عظمة هؤلاء النسوة وبسالتهن كمحاربات يتقنّ فنون الإباء، ويتفنّنّ في عشق الكرامة. يحثثن أزواجهن وأبناءهن وإخوانهن على الثبات، ويصنعن الطعام، ويبذلن المال والوقت للإسهام في صناعة النصر وتعجيل الظفر به.


نساء متحزمات بالشجاعة، يقدمن كل ما بحوزتهن من تفانٍ وإخلاص لإبراز دور مثالي للمرأة اليمنية الحرة، المرأة المناضلة المنتصرة لقيم الحرية بأي ثمن.


المرأة في تعز ليست ربة بيت تهدر وقتها في تلبية احتياجات بيتها التي غدت منهكة في ظل الحصار؛ إنها قائدة ميدانية تشاطر الرجل ظروف المعركة، وتزيد من حماسه، وترفده بالفعل والقول والمعنى، وتمنحه عزيمة أكثر حدة وضراوة وشغفًا بالفداء. إنها كلها إصرار وإرادة وعطاء وشكيمة ووعي بدواعي اللحظة.


حكايات وبطولات ومشاهد تجسيد لأسمى معاني الإخلاص والولاء للوطن، والتضحية في سبيل الكرامة، وإدراك مخاطر فقدانها. هذا الإدراك يجعلهن نماذج حيوية وشواهد منطقية ترجّح انتصار كفة تعز على طوفان الكهنوت الغاشم الذي يطمح إلى إذلال المدينة وإقصاء شموخها.


حرائر تعز، وكل اليمن، معنيات بمقاومة السلالة إلى الحد الذي يكشف مدى قبح الكهنوت، ونبذ ملامحه التي تدنس كرامتهن وتغتال شرفهن في كل موطئ عمّ فيه الكهنوت واستقر فيه خبثه، فحطّ من قدرهن ولوّث عفتهن وحريتهن. فبدين الآن الأحرص على زواله، والأشجع في مقارعته ودعسه بأعقاب أحذيتهن في كل لحظة للبذل والعطاء.


يحضر صوتهن في الخطاب الإعلامي المصاحب للمعركة، كإعلاميات وصحفيات وناشطات سياسيات ومدنيات وحقوقيات، يطرحن خطابهن ويعبّرن عن آرائهن المنبثقة من صلب اللحظة، بلغة وطنية كلها أنفة وشموخ، كأنهن جزء متصل بالمعركة لا يفارق صفوفها الأمامية، يصدح بأمانيها ويعبّر عن طموحاتها.


هذا الحضور النسوي المقاوم ينم عن وعي وطني جمهوري متقدم، ووحدة القضية، وتكامل نسيج المجتمع بشقّيه الذكوري والنسوي، دون احتكار للنضال والوطنية، وإبراز ما للمرأة من دور سياسي ونضالي فعال في أعقد لحظات احتدام الصراع بين الحرية والاستعباد.


لم يعد هذا الوعي النسوي مجرد حالات فردية تكنّ العداء للمليشيات؛ بل ثمة جيل كامل من الحرائر اللاتي يحملن العزيمة ذاتها، جيل عاش أكثر من عقد يتجرع وبال الحصار، ويتحمل زخات الموت التي يقذفها الحوثي على رأسه.


بنات المدارس صرن خريجات جامعيات، والفتيات اليافعات أصبحن أمهات، والأمهات غدون جدات؛ جيل من المقاومات المتمرسات على رفض الإمامة وابتكار كل السبل لهزيمتها.


لم تعد الدعاية الخرافية تنطلي عليهن، ولم يعد للبروباغندا السياسية أي تأثير على وعيهن السياسي. لقد عايشن الزيف لحظة بلحظة، وخبرن الدجل واللعب بأوراق الدين وادعاء استقلال القرار السيادي وصونه من تدخل الأشقاء.


نساء مثقفات مبدعات، قارئات لتاريخ السلالة وظلامها الدامس الذي يود الانتصار على نور العلم والمعرفة والثقافة والولاء الوطني، المتقد في ذهنيتهن الحرة وإحساسهن المتوهج بالانتماء إلى الوطن الجمهوري.


كل يوم، منذ بداية المعركة، ونحن نسمع عن فعل بطولي لنساء تعز في الريف أو في المدينة. واحدة حصدت بسلاحها الشخصي أرواح عدد من الغزاة في جبل حبشي، وأخرى في الأقروض، وثالثة في المسراخ. وآخر تلك البطولات، في الأمس القريب، أن واحدة جمعت إلى جوارها بعض النسوة في الجبهة الغربية، وقمن بتطويق بعض المتسللين المدججين بالأسلحة، وتمكنّ من أسرهم وأخذ أسلحتهم، ثم استدعاء أحد الأطقم الأمنية لتسليم هؤلاء الأسرى. أية بطولة أعظم من هذه؟


أما حياة الذبحاني، فقد خطفت الأنظار بوصفها واحدة من حرائر تعز اللاتي يسطرن أعظم نماذج الإسناد والدعم لأبطال الجيش والمقاومة الشعبية، لدرجة أرعبت العدو بجهودها الجبارة في رفد الجبهات بالذخيرة والسلاح من التبرعات التي تصل إليها من أحرار وحرائر اليمن في الداخل والخارج.


إذا كانت نساء تعز بهذه الصورة الباسلة، فكيف بالرجال؟ وهل يُخشى على تعز وفيها هؤلاء النسوة الماجدات، عناقيد الحرية وريحانات الكرامة؟ فوالله، لو كان النصر في المجرّة، لظفرت تعز به عاجلًا أو آجلًا بنسائها ورجالها، بصبرها وصمودها، وبثباتها وإرادتها، حتى لو تكالب عليها القاصي والداني.


يمن شباب نت

قد يعجبك ايضا!