اخبار هامة

    رجل من أقصى المدينة

    رجل من أقصى المدينة

    عدنان العديني-خاص

    تحدث الدكتور نايف بن نهار، في البودكاست الأخير، عن فكرة بناء وعي المؤمن من خلال القرآن، وكان من بين ما طرحه حديثه عن نماذج الشخصيات المذكورة في القرآن الكريم. استشهد بقصة الرجل الذي حذر موسى عليه السلام: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ".


    شرح الدكتور أن القرآن لم يذكر اسم هذا الرجل، لأن التركيز كان على الدور الذي لعبه، وليس على شخصه أو هويته، وفي هذا إشارة عميقة إلى أن الفرد مطالب بأن يكون في حركة دائمة، وأن دوره في نصرة الحق لا يتوقف على المكانة أو النفوذ.


    وما أود إضافته هنا، أننا حين نعود إلى القرآن بتأمل، نجد أن هناك أكثر من رجل جاء من "أقصى المدينة" محذرا ومرشدا وناصحا، ثم اختفى دون ذكر اسمه. "أقصى المدينة" تتجاوز كونها جغرافيا مكانية، لتشير إلى فكرة الهامش الجغرافي، والهامش الاجتماعي، وربما الهامش السياسي أو الاقتصادي، ذاك المكان الذي قد يشعر فيه الإنسان بالعزلة أو الضعف، أو يتخذ من موقعه البعيد مبررا للجمود، وعذرا للتخلي عن المسؤولية.


    القرآن هنا يقدّم لنا هذه النماذج لتقول لنا ليس المهم أين تقف، بل المهم كيف تتحرك ومتى. الرسل والأنبياء كانوا قادة التغيير في الأمم، وكانوا في قلب الحدث، لكن وجودهم لا يلغي مسؤولية الأفراد وإن كانت حركة قادمة من أقصى المدينة تحمل التحذير أو النصح. بل على العكس، النماذج القرآنية تؤكد أن الفارق الحقيقي قد يصنعه أيضًا أولئك المجهولون الذين يتحركون من أقصى المدينة، في لحظة الخطر، وفي لحظة الحاجة إلى كلمة حق أو موقف شجاع.


    إن "الرجل الساعي من أقصى المدينة" يحمل رسالة مهمة لكل فرد منا يشعر أنه على الهامش، أنه غير مرئي، أو أنه لا يملك من أدوات التأثير شيئا. قد تكون أنت الصوت الذي يحذر، واليد التي تنقذ. لا تنتظر أن تكون في مكانة تمكنك من التحرك، فالحركة نفسها هي ما تنقلك من الهامش إلى مركز الفاعلية. الرجل القادم من أقصى المدينة لم يكن نبيًا، ولم يكن من الملأ، كان رجلًا عاديًا، لكنه كان صاحب وعي وبصيرة بدوره ومسؤوليته في محاربة الظلم وكبح جماح الفوضى.
     

    قد يعجبك ايضا!