صلاح الأصبحي-متابعات
لم يكن خبر المساعي الحوثية للاستيلاء على مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في صنعاء مجرد حدث عابر في مسلسل النهب الحوثي، وإنما كان صدمة ثقافية إزاء التجريف المتعمد الذي مُنيت به الهوية الثقافية، والتعنت في طمس معالمها وإلغاء حضورها.
ليس هذا المقر مجرد مبنى؛ بل رمزًا وطنيًا وتاريخيًا، وذاكرة وطنية، وصرحًا ثقافيًا يؤرخ للمشهد الثقافي والأدبي في اليمن منذ عقود، وترتبط به شخصيات ذات حضور ثقافي ووطني ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل والعربي، كالبردوني وعمر الجاوي وأحمد قاسم دماج وإسماعيل الوريث، ومحمد حسين هيثم وعبدالله البار.
فإليه ومنه نالت اليمن مكانة ثقافية خاصة، وقدمت المبدعين ورموز الإبداع، وكان لها شأن عظيم في مختلف الفنون والآداب، فرمزيته الثقافية لها وقع خاص عند مجتمع الإبداع وجمهوره، فهو نواة التأسيس ونقطة الانطلاق، وكان تجميد نشاطه إبان الحرب الكارثة الثقافية التي قوضت الإبداع اليمني وخنقت نهضته .
طبعًا لن تقف تلك النوايا عند حدود استصدار أوامر قضائية بالسطو على المبنى، وإنما يتأتى لها ذلك بأكثر من وسيلة، فلا أحد قادر على صدها، وإجبارها على التراجع، لكن المؤسف أن وراءها دوافع نسقية رجعية، تتمثل بـ انزعاجها من بقاء هذا الشاهد الأخير على يمن ما قبل الانقلاب ثقافيًا.
هذا البقاء -من وجهة نظرهم- لا يستقيم مع التحول الهائل الذي حل بصورة ومعنى الثقافة، والانهيار الكبير الذي لحق بملامحها الطبيعية، التي استبدلت بمنظور أيديولوجي جديد طرحته الجماعة لخدمة خطابها، وتمكينه من التهام تلك الملامح الأدبية والفنية والإبداعية.
النسخة الحوثية المبتكرة للثقافة فرضت إجباريًا، وهيمن تعميمها على كل ما يتعلق بالثقافة في مختلف مناطق سيطرته، فتحولت من نشاط إبداعي فردي مستقل لا تتحكم به أية سلطة، إلى نشاط جماعي تفرضه السلطة، لإرساء خطابها، ونشر مشروعها، وعرض رؤيتها للسياسة والدين والمجتمع والعالم.
وتغير مسارها الزمني من فعاليات يومية خاصة بالنخب إلى دورات ثقافية طويلة تستهدف كل شرائح المجتمع، ومن خلالها يختبر ولاء الأفراد والجماعات، ولها برامج ولوائح ومستويات خاصة بها كأنها عملية توعوية شاملة تعيد إنتاج الوعي الجمعي للمجتمع، وتصبغه بنكهة خاصة قائمة على الولاء لهذا المشروع وتبجيل رموزه.
وتحول الشعر إلى مدائح طائفية تمجد التشيع وازلامه، ومطولات هجائية تذم العدوان والشرعية، وتحول الغناء إلى زوامل نواحية وحماسات جهادية، والفن التشكيلي إلى جداريات ميتة، ولوحات جنائزية تبجل الموت وتوثق ضحاياه في الجبهات.
وليس هذا فحسب، إذ شمل التنكيل بالهوية الثقافية المكتبات العامة والخاصة التي أوصدت أبوابها، بعد أن فقد الكتاب الورقي قيمته، وتلاشت أهميته، وكسدت عمليات شرائه لغلاء ثمنه جراء فرض جمارك باهظة أعاقت استيراده، وتعثرت طباعته في الداخل، وصودرت حرية إنتاجه، وما يسمح بطباعته لا يخرج عن نطاق التجريف، كإصدار ديوان جديد مبتدع للبردوني، في مدح التشيع وأزلامه.
وخلاصة هذه المأساة الثقافية أن الكتب ذابت كفص ملح من المكتبات والبيوت، وبقيت الملازم الحوثية وحدها تتصدر الثقافة وتصدح باسمها، ويرقى مستواها إلى مصاف العلم والثقافة والمعرفة، فلا قيمة لثقافة سواها.
ولذا فبديهي جدًا -من جماعة طائفية دمرت الثقافة والفن والأدب بصورة عبثية قاتلة، واجتثت قيم الانتماء لهذه المسارات التنويرية أو بقاء حضور انشطتها- أن نسمع عن عزمها مصادرة مبنى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، كونه نقابة ثقافية مستقلة عجزت عن إجباره على تقديم نشاطات ثقافية تؤيد أيديولوجيتها، أو فرض إدارة جديدة من قبلها عليه لاستئناف نشاطه لصالحها، فأغاضها بقاؤه على هذه الشاكلة المنغصة؛ لهيمنتها السياسية على كل المؤسسات الثقافية التي غدت منابر تهذي بترهاتها الطائفية.
فليس النواح على المبنى أعز من فقدان المعنى الخاص للثقافة، وإغلاق فضائه العام، وتحويله إلى حيز مغلق، لا يظهر فيه إلا من كان منتميًا للجماعة أو متواطئًا معها، ومن السخف ادعاء النخب الثقافية المقيمة في تلك المناطق الحرية في ممارسة نشاطاتها الإبداعية، وتجاهل الأدلجة المفروضة على نتاجها الأدبي والفني بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن النخب الثقافية التي رفضت هذا التدجين غابت عن المشهد، وتوقف نتاجها، مفضلة الصمت القسري، ونسيان ماضيها الإبداعي، والاكتفاء بمطاردة لقمة العيش التي غدت الشاغل الأول والأخير بالنسبة لها، ولم تعد تأبه بتاريخها الثقافي الذي كان علامة فارقة في الثقافة اليمنية.
وعليه فإن نكبة الثقافة في اليمن في زمن الكهنوت الجديد تعد من أفدح الخسارات وأكثرها مرارة وأثرًا على المجتمع من خسارة الأرواح والأموال، لأنها دمرت الإنسان الذي بنتاه الجمهورية في خمسة عقود، وحولته إلى قطيع يتبع الرجعية ويلهث بشعاراتها ويتناغم مع هويتها، فخسر ذاته ووطنه.
يمن شباب نت

